«فالولاء يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة إلى التفكير، الولاء هو عدم الوعي». – *جورج أوريل: 1984.

لطالما كانت تراودني الكثير من الأسئلة. كوني نشأت داخل بلد فيه نظام استبدادي، ما الذي يدفع دكتورًا أو مهندسًا، أو صحافيًا، أو أي مواطن؛ لأن يصبح مواليًا؟ دائما ما يستحضرني الفنانين والمثقفين الذين يرومون العالم ويتغنون بتطوره وسرعة جريانه وعندما ينظروا إلى عالمنا يصبح الامر مختلف. يتوقف كل شيء ويظهر الولاء هل هو فعلًا ولاء أم مجرد اتفاق مصالح؟ لطالما كان الإنسان، بالرغم من اختلاف أيديولوجيته وخلفيته ومستوى تقدمه الشر المطلق في العالم، وأكبر خطر على بني جنسه، ولكن أكثر ما جعلني مذهولًا هو تمثيل الوعي في رواية وكيفية برمجة الانسان وتحكم بذاكرته.

يقول أوريل:

من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي.

أي السيطرة على تاريخك يعني السيطرة على مستقبلك والسيطرة على حاضرك تعني أنك في التاريخ المطلوب منك معرفته. لطالما كان التاريخ هو المفتاح، وخاصة عندما ننظر إليه بنظرة غير عاطفية، بل بنظرة ماحصة باحثة تتوق إلى الحقيقة، ولكن إن كان تاريخنا مزورًا مكتوبًا بما يناسب السلطة، وإن كانت السلطة هي المتحكمة بالحاضرة عن طريق السلطات الأربع، وإن كنت أنت لست سوى حجر في دائرة تدور لكي يبقى نصف القطر مائلًا فما هي النتيجة؟

بالعودة إلى الرواية أوريل أيضًا من خلال شخصيته الرئيسة في الرواية وينستون، استطاع أن يخبرنا قبل 70 عامًا ماهية الوعي البشري. العمق العظيم والرائع في رواية يكاد يصبح متاهة أو مصيدة تطاردك، تطارد أفكارك، وأفعالك، العمق العظيم في رواية المتمثل بتشخيص وعي الإنسان، وكيفية التحكم به، وما قد تفعله الرغبة أو الهوس بسلطة القتل والتعذيب، أوريل يقول:

المرء لا يقيم حكمًا استبداديًا لحماية الثورة، وإنما يشعل الثورة لإقامة حكم استبدادي إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد والهدف من التعذيب هو التعذيب غاية السلطة هي السلطة.

يبدأ وينستون داخل دائرة دماغه الضيقة ماديًا والواسعة سعة الفضاء معنويًا بتساؤل عن طريق عمله المتمثل في وزارة الحقيقة والمسؤول عن تغير وتصحيح كل الأخبار والجرائد، وكل ما يصدر لشعب بما يتناسب مع سياسة الحزب المتغيرة، فتارة تكون الحرب مع أوريسيا، وخلال ساعة فقط تصبح مع أوستاسيا، يبدأ ونستون ثورته بتساؤلات بسيطة، ولكن الخوف دائمًا ما يجعله صامتًا، فحتى داخل دائرة خياله المتواجدة داخل رأسه يشعر برعشة الخوف، يشعر بالمراقبة، ويمانع التساؤلات في البداية، كتنهد جسدنا قبل الموت، ولكن دائمًا الشك هو طريق إلى الإيمان يبدأ وينستون ثورته في البداية بتساؤل بشكل دائم عن كل شيء حوله يطرح أسئلته على نفسه، يحاور نفسه بشكل دائم، ودائمًا ما يبحث عن ثغرة بسيطة.

في الحقيقة نحن وونستون نملك خطوط تشابك كثيرة، كلانا يبحث ويتساءل ويقع بالثقب الأسود، وفي النهاية نخرج من الدائرة قليلًا لنعود مناسبين لدائرة بشكل أكبر.

الهبة الإلهية لا تأتي من قوة أعلى، ولكن من عقولنا، السلطة هي نحن، والشيطان متمثل فينا، أوريل في رواية يتحدث عن نظام كامل قائم على الاشتراكية، متمثل في وزارات، وحزب سياسي، وونظام مخابراتي، يراقب الجميع متمثل في شاشة الرصد، ووزارة الحب، التي تراقب كل المواطنين أوريل يتكلم عن حرب خارجية دائمًا تكون ورقة ضغط وحجة لسلطة لفرض وإحلال ما تريد.

إذا كيف يمكنك بعدها أن تعرف أن اثنين واثنين يساويان أربعة، أو أن قوة الجاذبية موجودة؟ أو أن الماضي لا يمكن تغييره فإذا كان كل من الماضي والعالم الخارجي لا يوجدان إلا في أذهاننا، وإذا كانت أذهاننا نفسها يمكن التحكم بها، فما تكون النتيجة؟

جورج أوريل 1984

أعتقد أن هذه الفقرة هي أعظم ما في رواية من تمثيل للوعي البشري فإذا كان وعينا هو حصيلة تراكمات وترسبات أعطيت لنا عن طريق السلطة عندها يصبح الإنسان في حالة جمود لا يتطور، بل يتقدم داخل فجوة من الحقيقة الخادعة يصبح الإنسان يلاحق سرابًا، يقاتل من أجل ما هو مقتول في الأصل. بعد هذه العبارة أصبحت كل الأسئلة واضحة بالنسبة لي، أصبحت أفهم الموالي والغائب عن الوعي السياسي في البلدان التي تعاني من حكم استبدادي. ببساطة البلد الاستبدادي هو بلد يسكنه الكثير من المجانين فانعدام الوعي هو عدم الحاجة لتفكير وانعدام التفكير يفقدنا ميزتنا ومعجزتنا الإلهية، ولكن عند ذهاب أبعد من ذلك في رواية نرى أن الأمر ليس منوطًا بالتحكم بالوعي، بل هو أيضًا هاجس، هاجس السيطرة، الوله بالسيطرة على كل شيء لدرجة إشعال الثورة لتثبيت الحكم ما زال مشهد ونستون في القبو تحت أشد أنواع التعذيب حاضرًا في خيالي، بل أصبح هاجسًا يطاردني في بعض الأحيان.

لماذا نقاوم ونحن في صريرة أنفسنا نعرف أنه لا فائدة من المقاومة ما هو سيئ قادم قادم! أليس في بعض الأحيان التشبث ما هو إلا عناد غبي يقود إلى المزيد من الألم أم أن كثرة الألم تجعلنا مدمنين.

جوليا المرأة الخمرية التي اسكرت وينستون الثائرة الجميلة الشامخة الحب والثورة لطالما هذان المصطلحان ترافقا في أغلب الثورات فهذه المعادلة الجميلة دائمًا ما تخلق توازيًا وتناقضًا عبقريًا يجعلنا منتشين وسائرين وثائرين. أغلبنا نقضي الكثير من الوقت بالبحث عن فتاة أحلامنا عن فتاة تكون مرآة تناسب جميع أفكارنا تشجعنا تدعمنا، فكيف تكون الحالة أن كان من نبحث عنه هو ثائر مثلنا ينادي سرًا بكل ما ينادي به بالعلن يشاركنا الأفكار والأحاسيس. هل هناك أجمل من الحب مع جرعات عالية من الأدرلانين من الخوف في أعيننا المغرمة.

اللغة هي النافذة التي نطل منها على كل شيء هي ما يشكل أفكارنا انتماءنا وأشكالنا الاجتماعية والنفسية. ففي أحداث الرواية بتكلم عن اللغة وتغيير اللغة بهدف السيطرة على الإنسان.

دعونا نبحر قليلًا في الخيال ونتخيل أننا جميعًا تحت حكم ديكتاتوري استبدداي يتحكم في حياتنا ويرى كل ما نفعل ويصنفنا حسب انتماءاتنا الشاذة منها والطبيعية، ونشأتنا وأعمارنا.

تخيل أننا نتعلم في مدارسه نصبح ناضجين نتخرج من الجامعات التابعة له ومن ثم نبدأ العمل، ولكن لحظة، فنحن لم نر، لم نسمع، ولم نكتب أبدًا كلمة ثورة أو فاشي، أو استبدادي، أو أن الطريق الذي يتبعه النظام هو طريق خاطئ ويضرنا، بل يقتلنا، وأن النظام يبني لنا طريقًا معروفًا من البداية إلى النهاية، جورج أوريل أوضح هذا الشيء بحديث ممتع يحصل بين وينستون وأحد مطورين اللغة الحديثة، فتخيل أنه لا مجال للخطأ، ولمجال لتكوين عقل ناقد ولا توجد سلطة رابعة تكون أداة ووسيطًا لشعب. كل شيء تابع لجهة واحدة، وكل الولاء لشخص، أو فئة واحدة، وكل شيء مبني على إرادة هذه الفئة، فكيف تكون النتيجة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد