إن الوعي سواء الفردي أو الجماعي سواء للشعوب المتحضرة أو المتخلفة، يتعرض لحروب شرسة مبنية على دراسات علمية ونظريات يتم تطبيقها وتجريبها بهدف التأثير والتوجيه، سواء السياسي أو الاستهلاكي الاقتصادي لأسر الشعوب والأوطان ضمن أفكار ومشاريع محددة تخدم نمو واستمرار الرأس المال العالمي في التوسع والانتشار والترويج لنظرية التفوق الغربي وزرع عقدة النقص واليأس خاصة في دول العالم الثالث.

إن وجود طبقتين لا ثالث لهما في المجتمع الأمريكي رائد الحضارة الغربية طبقة الرابحين الذين يتمتعون بكل شيء وطبقة الخاسرين الذين لا صوت ولا مستقبل ولا وزن لهم وآخر ما لهم التشرد، انعكس على الأفكار المادية التي اكتسحت العالم بما يعرف بالعولمة، فأنتجت الإحباط العام في المجتمعات المتخلفة وسنأخذ كمثال مجتمعاتنا العربية.

إن التخلف والاستبداد والانغلاق والفساد بكل أشكاله هو ما يوحد ظروف المعيشة اليومية لأغلبية شباب الأمة العربية والإسلامية، سواء كانوا في ظل أنظمة ملكية أو جملوكية عفوا جمهورية، إن نموذج الدولة المتخلف الذي يطغى على الصورة في كل الدول العربية ساهم في تكريس الفشل وتولي الفاشلين أعلى المسؤوليات سواء بالقرابة أو الولاء والوفاء، مما أجبر الشباب المحبط واليائس في التفكير في الهروب أي الهجرة الشرعية وغير الشرعية منها، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في رسم صورة جميلة عن الضفة الأخرى أو العالم الآخر، مما دفع الفئات المتعلمة وغيرها إلى تحسين مستواهم العلمي وخاصة اللغوي والتوجه لإتقان اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية والفرنسية.

وهنا تمامًا يصنع الفارق في الوعي، سواء كان فرديًا أو جماعيًا، حيث أصبحت شريحة واسعة من الشباب على اطلاع على أحوال نظرائهم في العالم المتقدم وأساليب عيشهم، مداخيل حقوقهم والفرص المتاحة أمامهم، وبالتالي لامسوا مواطن الضعف وأسباب التخلف في أوطانهم وأن الفقر والحرمان والتخلف ليس قدرًا محتومًا لهم وإنما هو نتاج سياسات عرجاء ونهب وفساد وانحطاط ليس قضية إمكانيات وموارد، بل قضية تسيير وتنظيم وتخطيط.

وهنا توصلنا إلى مرحلة الثورات على الواقع المزري والمجحف وبدأ تحطيم الأوثان، نعم هي ثورات الربيع العربي التي تنبأ بها الغرب وحضر لها الخطط والمشاريع والميزانيات والأذناب لحرفها عن مساراتها لتحقيق المزيد من المكتسبات والخيرات التي يزخر بها وطننا العربي انتصر علينا ليس لضعفنا بل لخيانة أبناء جلدتنا لنا من ملوك وجنرالات ورجال نهب المال العام السفهاء ذوي النظرة الضيقة والمصالح الشخصية، فدبوا بيننا النزاعات على أساس الطائفية التي أتقنوا لعبتها في العراق أو أيديولوجيا كما نجحوا بها في مصر والتهويل والتخويف من البعبع الإسلامي، فكانت السقطة الكبرى وإطفاء شمعة الحرية بأنهار من الدماء. للأسف الشديد مما جعل الكل يلعن هذا الربيع الذي زج بالعديد من الدول في أتون المجهول.

وهنا ترسخ مؤقتًا مفهوم المواطن المستقر الذي يرضى بالقليل مقابل أمنه، مما شجع الانتهازيين في الدول التي عمتها الفوضى على التحول إلى أمراء حرب يطيلون عمر الأزمة للاغتناء على أشلاء أبناء جلدتهم دون استحياء تحت مبررات قبلية تارة أو إثنية أو عرقية، فإن لم تكن فجهوية أو طائفية، أما في الدول التي لم تمسها الثورات فكان من السهل على ناهبيها التخويف ببعبع الإرهاب وداعش والفوضى لتمديد أعمار أنظمتهم والاستفادة قدر الإمكان والاغتناء، مهما كانت الأثمان المدفوعة للخارج سواء بدفع مليارات الدولارات أو التسول على أبواب صندوق النقد الدولي أو الرضا بالحماية الغربية والإملاءات من الخارج حفاظًا على كراسيهم ومكتسباتهم وثرواتهم ولمد سطوتهم على شعوبهم باستخدام الإعلام المأجور والمتسلقين الطفيليين النفعيين الذين تجمعهم المصلحة الشخصية وتغيب عنهم المبادئ وأبسط الصفات الإنسانية.
لكن هيهات كلما اشتد الظلام اقترب الفجر، وكلما اشتد الظلم عجل بسقوط الظالم. والتخلف ليس قدرنا المحتوم لمقوماتنا التاريخية والعلمية والبشرية والجغرفية والطبيعية التي تفرض علينا احتلال مكانة محترمة في هذا العالم ولا خيار آخر مطروحًا أمامنا على المستوى الطويل سوى النجاح في إعادة بناء أوطاننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات