أصبح مصطلح “تشويه الإسلام” وسيلة لتشويه صورة الحركات الإسلامية، المسلحة منها، والمجردة من السلاح، ولكن بعيداً عن اللجوء للسلاح، وبعيداً عن المظاهر الخارجية من اللحى والأثواب القصيرة، وبعيداً عن التشدد في تفاصيل العبادات وغيرها من الأمور التي يتم التركيز عليها كمادة إعلامية لتنميط الحركات الإسلامية، لنتحدث عن المشوهات اللاعنفية، وغير الظاهرة.

لم يكن البغدادي ـ أمير دولة العراق الإسلامية ـ قرشيا وأصبح قرشيا بعد إعلان خلافته، فحاجة البغدادي إلى ما يزيد من شرعيته بين العامة دفعت مناصريه إلى التأكيد على توافر شرط الخلافة السابع فيه، وهو أن يكون الإمام قرشي النسب، ومؤكدين في إصداراتهم على نسبه “الفاطمي” لما يحظى به نسل فاطمة الزهراء ـ رضي الله عنها ـ من احترام خاص من جميع الطوائف التابعة للإسلام، والرابطة العاطفية التي تربط عامة المسلمين بهذا النسب، والاعتقاد السائد بأن المهدي المنتظر سيكون من نسل أبناء فاطمة، رغم عدم ذكر رسول الله لذلك في حديثه عن المهدي.

هو المشرع المعنوي ذاته الذي استخدمه من أراد الوصول للحكم قديماً، إلى أن نصل إلى خامينئي، حتى بعض ديكتاتوري العرب العلمانيين في الأصل روج أتباعهم لهم هذا الادعاء بشكل أو بآخر.

تستند هذه الفكرة إلى أحاديث لرسول الله تدعو إلى تقديم قريش ومنه: “أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام”، فكانت العرب تتبع قريش، بدليل دخول أغلب العرب في الإسلام بعد فتح مكة، ولعلها الحكمة الإلهية ذاتها ـ التي جعلت الرسول من قريش ـ جعلت من يليه من الخلفاء من قريش؛ لما كانت تملكه قريش من سيادة على القبائل العربية.

وقد أرجع ابن خلدون في مقدمته الحكمة من هذا الأمر إلى ما كانت تملكه قريش من المنعة والتفوق في القوة على باقي القبائل، وهو ما أسماه: “العصبية”، وتوصل إلى أنه يشترط في حاكم المسلمين أن يكون من قبيلة متفوقة في المنعة على باقي القبائل في عصرها، وليس من قريش لذاتها.

وكون أوائل الخلفاء من قريش لا يعني أن الإسلام فرق بين قومية وأخرى، أو أنه منع ذوي الكفاءة من الوصول حتى لو كانوا من العبيد مجهولي النسب.

وقد كان المسلمون من غير العرب أقدر على إدارة شئون الإسلام في أغلب فترات التاريخ وما القدرة العسكرية والسياسية التي أظهرها الأيوبيون والمماليك في لحظات مفصلية من التاريخ وطوال عمر الإمبراطورية العثمانية إلا أمثلة جلية على ذلك.

أما الآن بعد انتهاء زمن الأسياد والعبيد، وبعد أن أصبحنا في زمن يصعب فيه على الشخص معرفة اسم جده الخامس حتى يتمكن من معرفة القبيلة العربية التي يعود أصله إليها إذا كان عربيا أساساً، لم يعد لهذه الفتوى ذلك المُبرر وتقع على علماء المسلمين مهمة توضيح هذه المسألة لمن يريد التعرف على الإسلام، ولمن أصابته هذه الشبهة بالحيرة.

 

لا خروج
في عودة مرة أخرى إلى التاريخ،  إلى الفتوى المحرمة للخروج على السلطان، وإن ظلم وسجن وعذب وسعى لشهواته مهملاً لأمانته، تلك الفتوى التي تنامت مع تنامي نفوذ وأموال حكام المسلمين فقد شكلت هذه الفتوى مع فتوى القرشية ثنائياً يحمي الحكام من أي ثورة جوع أو ثورة قومية أو طائفية.

ويدعي مناصرو هذه الفتوى أنه لا ثورة في الإسلام، ولم ينتبهوا  إلى أن الإسلام في أصله ليس إلا ثورة تحدت الواقع الجاهلي، واصطدمت مع كل ما يحمل من موروثات وثوابت، هذه الفتوى تتناقض مع أساس رسالة الإسلام، بل مع ما جاء من أجله أساساً، فكيف بمن جعل الحاكم الكافر العادل خيراً من المسلم الظالم أن يطالب بالصبر على الحاكم الطاغية لسنوات.

والمتفحص لسير علماء المسلمين يجد أن خيرة علماء المسلمين ثوريون بكل ما تحمل الكلمة من المعنى؛ فقد كانوا يرفضون إعطاء صفات التبجيل للظالمين أو التصالحين معهم، محرمين لأبسط التعاملات معهم، والكل يعرف ما لاقوه من تنكيل نتيجة مواقفهم المتصادمة مع الحكام.

تقديس الحكام الصانع للديكتاتوريات لا يظهر إلا في عصور الظلام التي تتفوق فيها شهوات الأفراد على الغاية من الرسالة وصفات الحضارة الأساسية، ومثل هذا النوع من الفتاوى يجبر المتفحص للإسلام على وضع علامات استفهام كبيرة على الدين المحرر للبشرية المساوي بين الناس، وتمثل مثل هذه الشبهات صيداً ثميناً لمن يريد مهاجمة التاريخ الإسلامي.

 

نظرة في المصطلح

مع ازدياد نشاط الحركات الإسلامية، العنيفة منها، وغير العنيفة، ورغم حملات التشويه الي تستهدف الإسلام، وظهور”الإسلاموفوبيا”، تستمر أعداد الداخلين في الإسلام بالازدياد، ولا تجد الحركات الإسلامية صعوبة في كسب الأنصار، فكيف يفسر من يستخدم مصطلح “تشويه الإسلام” هذه المفارقة، فالتشويه يؤدي إذا تحقق بطبيعة الحال إلى النفور من الشيء، لا إلى الإقبال عليه.

لهذا يجب الوصول إلى تعريف واضح لهذا المصطلح يحدد ما هو الأصل الذي تم العبث به؛ حتى لا يبقى المصطلح ذريعة لوسائل الإعلام، وشيوخ السلطة، توسم بها كل الوسائل العنيفة حتى المشروعة منها، ولنسأل أنفسنا هل الإسلام في أصله يتجنب العنف إلى تلك الدرجة التي تجعله قيماً فلسفية بعيدة عن اللجوء إلى السلاح عند الحاجة إليه.

كما على علماء المسلمين الاتجاه نحو إظهار الحكمة من كل حكم شرعي، وشرح الظروف التاريخية لكل حالة، والاعتراف بأخطاء غير المعصومين من شخصيات التاريخ الإسلامي، حتى يطغى ذلك على البدع والشبهات، ونتجنب الوقوع في التشويه الناعم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد