منذ فجر الاستقلال، عرفت المنظومة البنكية بالمغرب تطورًا كبيرًا،خصوصًا فيما يتعلق  باستراتيجيات التدبير المثمثلة عمومًا في ميكانيزم TOP MANAGEMENT، هدا التطور في المجال المالي والمصرفي لعب دورًا حيويًا في إعادة هيكلة الاقتصاد المغربي وتوجيهه بشكل يتماشى والمتغيرات السوسيواقتصادية الدولية.

تتكون المنظومة البنكية المغربية من 16 مؤسسة مالية، ما زالت تعرف حضور الرأسمال الأجنبي بها، وخاصة رأسمال فرنسا، الذي يوجد في عدة  مؤسسات بنكية مغربية وهي الشركة العامة للبنوك (Société Générale) والبنك المغربي للتجارة والصناعة  (BMCI)  ومصرف المغرب (Crédit du Maroc) هدا التنوع ساهم نوعًا ما في إغناء  المنافسة بين البنوك في السوق الوطنية، خصوصًا مع تواجد قطبين مؤهلين بشكل محترف للعب دور الريادة وهما  البنك الشعبي والتجاري وفا بنك، هذا الأخير سيشكل موضوع طرحنا الحالي كونه يقود السوق المالية المغربية على المستوى  القاري.

تأسس التجاري وفا بنك (AWB) بعد اندماج البنكين المغربيين البنك التجاري المغربي وبنك الوفاء سنة 2003، صفقة كانت جد مهمة على عدة مستويات، وهذا ما مكن من خلق كيان بنكي قوي استطاع ازاحة المنافسة الاجنبية في السوق الوطنية، واليوم يعتبر أقوى بنك بالمغرب.

بلغة الأرقام صافي الدخل المصرفى لـ«التجارى وفا بنك» فى نهاية عام 2016 بلغ 1.9 مليار دولار، وصافى الربح المجمع 560 مليون دولار، وصافى الدخل، حصة المجموعة نحو 471 مليون دولار، خلال هذا المقال سنتطرق لدور النظام البنكي بأفريقيا وسنركز  في مقالنا هذا على استراتيجية مجموعة التجاري  وفا بنك بأفريقيا، باعتباره متزعمًا للسوق المالية المغربية وأكبر مجموعة بنكية ومالية في منطقة المغرب العربي والثالثة على المستوى الأفريقي، وسنحاول أيضًا التطرق للأبعاد الدبلوماسية والاقتصادية  لهذا الانفتاح بقارة أفريقيا.

التموقع الاستراتيجي للتجاري وفا بنك بالقارة الأفريقية

صفقة  500 مليون دولار أو باركليز بي إل سي

استطاعت المجموعة البنكية المغربية (AWB) مؤخرًا  الحصول على 100% من رأسمال (باركليز بنك مصر)، لتعزز بذلك حضورها بأفريقيا بشكل أكبر، بعد إتمام عملية اقتناء %100  من رأسمال باركليز  أصبح لها تواجد بـ 26 بلدا على الصعيد الدولي، الدخول للسوق المصرية أمر جد مهم للمجموعة من أجل الانفتاح على أفريقيا الشرقية، السوق المالي المصري واعدة  جدًا خصوصًا مع تواجد عدد كبير من  المصريين بالخارج والمغرب سيقوم بنقل خبرته في هذا المجال من المعاملات لمصر.

الاستحواذ على كوجي بنك الرواندي

بعد الجولة الدبلوماسية للملك محمد الساس برواندا، وقع المغرب على مجموعة من الاتفاقيات الاستراتيجية في عدة مجالات، وكان أهمها، دخول مجموعة التجاري وفا بنك  في شخص مديرها التنفيذي، السيد محمد الكثاني باعتباره شريكًا في مؤسسة مالية رواندية كبيرة وهي «كوجي بنك» والتي تدير  أصولا تصل  قيمتها لحوالي  178  مليار فرنك رواندي (ما يقارب 219 مليون دولار)، كما أن بنوكًا مغربية أخرى أحدث استثمارات مهمة، كمجموعة البنك الشعبي التي أحدث مؤسسة للقروض الصغرى وصندوق استثماري.

مذكرة التفاهم.. Sumitomo  Corporation – Attijariwafa Bank

من اجل زياد التوسع والتغلغل بأفريقيا قامت مجموعة التجاري وفا بنك مؤخرا بالتوقيع على مذكرة التفاهم مع العملاق الياباني سوميتو كوربورايشن يوروب ليميتد،حيث اتفق  من خلالها الطرفان على تطوير شراكة موسعة، تروم النهوض بالتعاون بين المجموعتين في قطاعات عدة كصناعة السيارات ومشاريع البنيات التحتية والصناعات البيتروكيماوية والمناجم والفلاحة والزراعة، في أفريقيا.

ولوج السوق المالي النيجيري- Marché Financier

إن انفتاح مجموعة التجاري وفا بنك على السوق النيجيرية الواعدة باعتبارها قطبًا ماليًا له وزن كبير على المستوى القاري، والتي تعد من أكبر القوى المالية سيفتح آفاقا استثمارية  ضخمة، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع البنك النيجيري «البنك المتحد لأفريقيا» في إطار استراتيجية رابح-رابح، العملية تتمركز حول مواكبة نشاط الأطراف التجارية والاستثمارية الأفريقية والدولية، والاطلاع على مشاريع التنمية وقيادة مشاريع مستقبلية من اجل تطوير القارة.

صفقة الاستفادة المتبادلة.. التجاري وفا بنك -القرض الفلاحي الفرنسي

تمكنت مجموعة التجاري وفا بنك من الاستحواد على خمسة بنوك أفريقية دفعة واحدة وذالك في صفقة سرية مع القرض الفلاحي الفرنسي، هده الصفقة تروم تخلي التجاري وفا بنك للبنك الفرنسي على اسهمه في مؤسستين ماليتين بالمغرب. 

الاتفاقية الاسثثمارية بين المغرب-وفرنسا تتيح للتجاري وفا بنك الاستحواذ على:

%81 من رأسمال القرض الكونغولي

%51 من رأسمال الشركة الإيفوارية للبنوك

%65 من رأسمال الشركة الكاميرونية للبنوك

%59  من رأسمال الاتحاد الغابوني للبنوك

%95 في من رأسمال بنك القرض السنغالي

وتشير الإحصاءات الرسمية أن  حجم العملية التجارية بين الطرفين تقارب حوالي 250 مليون يورو أي ما يعادل  2.8 مليار درهم، العملية لم تكن سهلة أبدًا، لكن وفقًا للاستراتجية المستقبيلية للمؤسستين الماليتين «فالتجاري وفا بنك» تريد الاستثمار في أفريقيا و«كريدي أكريكول» تريد الاستثمار بالمغرب، وهو ما أعطى للعقد صفة الاستفادة المتبادلة.

غزو التجاري وفا بنك لقارة أفريقيا، لم يأت وليد الصدفة وإنما  ثمارًا لعمل طويل جسدته استراتيجيات محكمة للمجموعة وعلى رأسها الرأسمال البشري العالي  (Capital Immatériel)، الانفتاح على السوق الأفريقية من شأنه أن يعزز مكانة المغرب الاقتصادية  بالقارة، التوغل بأفريقيا جاء تزامنًا مع توجيه المغرب لبوصلته تجاه هذه السوق الواعدة وهذا ما سيكون له آثار كبيرة على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي.

 الأبعاد الدبلوماسية والاقتصادية للانفتاح المالي للبنك على أفريقيا

سياسة المجموعة  البنكية المغربية «التجاري وفا بنك» هاته تجد نفسها في الاستراتيجة المغربية، القائمة على ضرورة توطيد العلاقات بين البلدان الأفريقية، وعلى التعاون جنوب- جنوب والاندماج الأفريقي، عبر دمج الاقتصاديات الأفريقية بمساهمة منعشين ومستثمرين  كبار خواص سنستعرض فيما يلي بعض  مكامن هذه الأبعاد.

تسهيل المأمورية على رجال الأعمال – Monde de Business

التوسع الاستتماري للبنوك المغربية في أفريقيا سيلعب دورًا جد مهم في تسهيل مأمورية رجال الأعمال المغاربة في دخول أسواق القارة السمراء عن طريق توفير مؤسسات تمويلية يعرفونها وتعرفهم، ودالك بتقديم خدمات متخصصة في مجال الاستشارات المالية، وتمويل المشاريع وهيكلة القروض  للوفاء باحتياجات مشاريع البنية التحتية والمشاريع الصناعية والتجارية المختلفة بأفريقيا.

نشر الثقافة المالية والمصرفية- Culture Bancaire 

من المعلوم أن نسبة الانتفتاح على الأبناك في أفريقيا، ضئيلة جدًا، ولذلك فالمغرب عن طريق أبناكه ذات التجربة
والخبرة، سيقوم بتغيير العقليات في أفريقيا وجعل سكانها أكثر مرونة مع مجال المال والمصارف، ذلك أن نشر الوعي الصحيح على المنتجات والخدمات المالية المتوافرة سيمكن من تعزيز استخدام المواطن لهذه الخدمات على الشكل الأمثل والآمن، كما سيمكن من تعزيز العادات الذكية لإدارة الممتلكات الشخصية والادخار واتخاذ القرارات السليمة من خلال ما يقدمه البنك من خدمات متنوعة.

الدبلوماسية الاقتصادية – Diplomatie Economique

حققت الدبلوماسية الاقتصادية المغربية نجاحات مبهرة خصوصًا بعد الزيارات التي قادها جلالة الملك محمد السادس لكل من  رواندا، والغابون، والسنغال، وإثيوبيا، ومدغشقر، وتنزانيا، ونيجيريا، وكرست حقيقة لا غبار عليها كون المغرب المستثمر الأول في غرب القارة، والثاني بالنسبة لعموم أفريقيا. هذه الزيارات  توجت بمجموعة من الاتفاقيات والمشاريع شملت مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها ياتي المجال المالي المصرفي تحث قياد عدة بنوك مغربية على رأسها التجاري وفا بنك وهذا ما سيمكن من نمذجة العلاقات الاقتصادية في أفريقيا بشكل عام.

التعاون جنوب-جنوب – Coopération Sud-Sud

الانفتاح الكبير للأبناك المغربية على القارة السمراء سيلعب دورًا جد مهم في إعادة صياغة العلاقات بين الرباط وجل العواصم الأفريقية، فوجود قطب مالي كبير سيساهم في بلورة جل القضاية السياسية والدبلوماسية بين البلدان الأفريقية لقيادة مشاريع تنموية في الأفق بشكل يتماشى وتطلعات القارة.

تعتبر الأنظمة المصرفية من أهم اختراعات المجتمعات الذكية، وذلك للدور المحوري الذي تضطلع به في المنظومة الاقتصادية، فمن خلال دورها الوساطي بين المودعين الذين يشكلون جانب عرض الأموال في النظام المصرفي والمقترضين الذين يشكلون جانب الطلب على هذه الأموال، يمثل النظام المصرفي ميكانيكية هامة لجمع المدخرات وتحويلها إلى استثمارات إلى جانب عملها على جذب الاستثمارات الأجنبية (IDE) وتوجيهها لتمويل المشاريع  الأكثر كفاءة وإنتاجية وربحية، وقد ساعد هذا الدور المهم على فصل قرار الادخار عن قرار الاستثمار، باختصار القطاع المالي يساهم بطريقة فعالة في عملية التنمية الاقتصادية بشكل شمولي.

إن توغل الأبناك المغربية  وعلى رأسها التجاري وفا بنك بأفريقيا جعلها تتغلب على نظيرتها الفرنسية عمليًا، حيث حلت محلها تدريجيًا، وهدا ما أقلق الرأي العام في فرنسا، البنوك المغربية أبانت على قدرة فائقة في ولوج أسواق أفريقيا  وفرض نفسها من خلال سياسة توسعية محكمة تقوم على فتح مجموعة كبيرة من الوكالات المصرفية، وتقريب خدماتها لأكبر عدد من الزبائن الأفارقة خصوصًا أنهم  يعانون من ضعف الخدمات المصرفية.

الانفتاح الكبير على أفريقيا سيلعب دورًا مهمًا في إعادة إحياء العلاقات المغربية-الأفريقية وتنشيطها أكثر مما سيخدم العلاقات الدبلوماسية المغربية مستقبلا مما سيجعل لأفريقيا وزنًا داخل المنظومة الدولية نظرًا للدور الريادي الذي سيلعبه المغرب بكل مكوناته،لكن وجب تعزيز الحضور بشكل أكبر والاستفادة من تجربة التجاري وفا بنك بأفريقيا للتموقع بشكل أكبر في رحاب القارة وقيادة مشاريع المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد