لم يكد مجلس الدولة في تركيا يصدر حكمه بإلغاء قرار أتاتورك بتحويل آيا صوفيا إلى متحف، وإرجاع حالها إلى ما كان سابقًا مسجدًا تؤدى فيه الصلوات، حتى توالت ردود الفعل المنددة بالقرار، وبخاصة دول مسيحية أرثوذكسية، وللمفارقة كانت في الماضي من أشرس أعداء الدولة العثمانية، ونصبت نفسها الراعي والمراقب للتراث البيزنطي في ربوع تركيا.

إن الموقف الرافض لتحويل آيا صوفيا إلى مسجد يعكس بوضوح ازدواجية المعايير لدى الغرب، وتحيزه الدائم ضد قضايا المسلمين، وإلا ما الذي يجعل اليونان تعلن أن القرار «استفزاز لمشاعر العالم المتحضر»، وتتكلف استحضار كلمة «العالم الحر» بما تحمله من دلالات إمبريالية واستعمارية، وهي التي شنت إلى عهد قريب حملات تضييق تهجيير ضد المسلمين اليونانيين، ولم تكد ثورة اليونان تنهي الحكم العثماني وتقيم المملكة حتى تم قتل 60 ألف مسلم، واحتلت أجزاء من تركيا. وكذا روسيا التي عبرت الكنيسة الأرثوذكسية فيها عن أسفها لعدم إصغاء القضاء التركي إلى «مخاوف ملايين المسيحيين»، إضافة إلى فرنسا وأمريكا، لا ندري أين كانت هذه المخاوف لما كانت إسرائيل تضيق الخناق على كنيسة القيامة وآلاف الحجاج المسيحيين من كل العالم ومن كل الطوائف المسيحية، وتقضم أملاك الكنيسة وتهوِّدها، وأين هي هذه المشاعر عندما تهدم المساجد ويجري التضيق عليها من طرف اليمين المتطرف وصلت إلى اعتداءات إرهابية راح ضحيتها العشرات، دون الحديث عن مصير مساجد المسلمين في الأندلس التي حولت كلها إلى كنائس.

والأعجب منه إعلام بعض الدول العربية التي أعماها الحقد على تركيا ونجاحها في توسيع مجالها الحيوي إلى التماهي مع الموقف الغربي، والتنديد بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، بل وصفها بالكنيسة، إعلام للأسف هو لسان حال دول طالما روجت لنفسها على أنها الحامية للإسلام والناطقة باسمه، مثل هذه المواقف ومحاولة تبريرها هي محض نقش على الهواء، وترسيخ لعقلية السبعينيات في التعاطي مع أحداث عالم اليوم، ما سيحدث شروخًا كبيرة بينها وبين المواطن العربي.

وبعيدًا عن أهداف الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» من هذا القرار، والتي قد يكون أبرزها الهدف الانتخابي، وذلك باستمالة المحافظين الأتراك، وتعزيز شعبيته، خاصة بعد خسارة حزبه لمدينة إسطنبول في انتخابات مارس (آذار) 2019، ورضوخًا لجمعيات دينية طالما طالبت بتحويلها إلى مسجد، أو حتى هروبًا من أزمات داخلية وأوضاع اقتصادية خانقة فرضتها أزمة كورونا. فإن قرار تحويل آيا صوفيا إلى مسجد يتجاوز ما هو سياسي أو حتى ديني، فهو في نظري مسألة سيادة تركية كما كان تحويلها إلى متحف سنة 1935 مسألة سيادة، في النهاية آيا صوفيا هي أثر ملك للدولة التركية، قبل أن يكون تراثًا عالميًّا، والرجعية ليست في تحويلها إلى مسجد، بل الرجعية كل الرجعية في استحضار ماض قروسطي بائد، واعتبار أنها ما زالت كنيسة بيزنطية، في حين أنها مسجد طيلة خمسة قرون منذ فتح إسطنبول على يد السلطان محمد الفاتح سنة 1453، وتجاهل مثل هذه المدة الطويلة شبيه بعمى الألوان.

أما بالنسبة لنا كعرب، فإن الدرس الذي ينبغي لنا أخذه من هذا القرار هو عدم الرضوخ للضغوط الأجنبية، إذ لم يبال المسؤولون الأتراك بكل تحذيرات القوى العظمى، في حين أن كثيرًا من حكامنا أمضوا قرارات ضد المصالح العليا لأوطانهم لأجل خاطر الرئيس الفلاني أو السفير الفلاني. لأن استقلالية القرار التركي أهم، حتمًا أهم من آيا صوفيا أو تحويلها إلى مسجد أو متحف، استقلالية ما كان لتوجد لولا النهج الديمقراطي الذي قررت تركيا المضي فيه، وخوَّل لها الوقوف في وجه القوى الكبرى، والدفاع عن مصالحها، وهذا هو جوهر الخلاف بين الغرب وتركيا، والذي جعله يتَّحد رافضًا القرار، فقد باتت القوى الغربية تنظر إلى تركيا بقلق كبير لتنامي قوتها الاقتصادية والعسكرية، فحتمًا لم ينسوا أنه إلى عهد قريب كان الأتراك على حدودهم، وأسوأ كوابيسهم عودة المارد التركي، ولا خوف من مارد عربي تشتت بيادق، فهي تنتظر يدًا قوية تحركها كما تشاء، وإلا فشيمتها الصمت والسكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أيا صوفيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد