ملحوظة

ما ذكرته غيض من فيض وقليل من كثير مما يعانيه طبيب الامتياز، أعلم أنها أشياء تؤلم الأطباء وتحرجهم كثيرًا ولكنها الحقيقة التي لا يجب إخفاؤها عن أحد لتبقى تلك الذكريات بعضًا من آلام الأطباء في هذا الوطن.

الامتياز.. سنة من الإذلال!

إن من أعظم ساعات الفرحة التي يعيشها طالب الطب في بلادنا ساعة تخرجه، يوم جديد تشرق فيه شمس الحرية! نعم إنها – في ظنه – الحرية من المذاكرة العقيمة الدائمة القاتلة التي قتلت زهرة شبابه دون بقية أقرانه ممن التحقوا بالكلّيات الأخرى، لحظة خاطفة من السعادة الزائفة التي سرعان ما تتبدد وتُنثر مع الرياح العاصفة إلى مكان سحيق!

يتخرج الطالب البائس ظانّا أن أزهار الدنيا المتفتحة ستستقبله بشذاها النديّ، ولا يعلم المسكين أن مستقبله محفوف بثمار الحنظل التي لا رائحة لها وطعمها مُرّ!

إن أول حنظلة في طريق طالب الطب المغبون هي سنة الامتياز، تلك السنة الكاملة من العمر التي وعدوه ومنّوه فيها بأنها سنة التدريب العملي التي يُضْحي في أثرها طبيبًا مؤهلًا لاقتحام الحياة الطبية العملية!

ويا لها من سنة مُرّة! لا يعي مرارتها إلا من خبرها وهاكم بعضًا من أنبائها:

لا يلبث طبيب الامتياز أن يبدأ سنته المعهودة من التدريب في المستشفى الجامعي حتى يدرك وظيفته الحقيقية في تلك السنة! لقد وعدوه أن يتدرب ويتعلم من الأطباء النواب المتخصصين ولكنه يكتشف أنه ما هو إلا عامل كأيّ عامل في المستشفى عليه أن يتلقى الأوامر من الطبيب النائب وينفذها! لعلك تظن أيها القارئ أن تلك الأوامر أوامر طبية مطلقة لا يجيدها إلا طبيب، ولكن الصدمة أنها أوامر مهينة للطبيب ما هي إلا وظيفة أي عامل لا يحمل شهادة ولا علما! – مع كامل احترامنا للعمال الشرفاء – فيفجأ طبيب الامتياز أن الطبيب النائب يأمره بأخذ عينات الدم وتوصيلها للمعمل! وأحيانا قد لا تجد الممرضة أنبوبا لأخذ عينات الدم فتطلب من طبيب الامتياز أن يذهب للمعمل لإحضار أنبوب ثم ينتظر الممرضة ليأخذ الأنبوب والعينة ليعيدها للمعمل مرة أخرى!، وقد يكون ذلك المعمل في مكان بعيد في مبنى آخر، فيذهب ذلك العبد المسخّر (طبيب الامتياز) ويجتاز السلالم والطرقات والمصاعد ليؤدي وظيفته الإلزامية بنقل عينة الدم التي لم يجدوا لها عاملا ينقلها سوى ذلك الطبيب المستعبد!

قد يحتاج المريض أشعة ولكن المريض لا يعرف أين مكان إجراء الأشعة الذي يبعد أميالا عن مكان الكشف كما أن تذكرة المريض مسئولية لا ينبغي أن تترك للمريض! فما على النائب سوى أن يأمر طبيب الامتياز أن يقتاد المريض إلى مكان الأشعة البعيد – ربما يكون في مستشفى آخر! – حاملا التذكرة في يده، فيقف مع المريض في الصف الطويل ينتظر دور المريض حتى تجرى له الأشعة ويُوقَّع على التذكرة ثم يعود أدراجه مع المريض مرة أخرى إلى سيّده (الطبيب النائب) ليبشره أنه أنجز المهمة كاملة ليتلقى رضى النائب لينعم عليه ببعض كلمات الثناء والتشجيع! أما إذا فشل في أداء مهمته فقد يتلقى التعنيف والسباب من نائبه لتراخيه وإهماله وقد يتلقى لفظا نابيا أمام المرضى جميعا إمعانا في إذلاله وكسر أنفه!

قد يحتاج المريض نقل دم، ولكن كيف نحضر الدم من بنك الدم إلى عنبر المرضى؟! الإجابة يسيرة هناك عَبد يسمى طبيب الامتياز نعطيه التذكرة ويذهب بها إلى بنك الدم الذي ربما يكون في مستشفى آخر بعيد يُذهب إليه بشق الأنفس، فيذهب طبيب الامتياز ليؤدي تلك المأمورية الهامة ويعود تارة أخرى وحينما ينجزها ينعم عليه النائب بأن يعفيه من المكث إلى موعد الانصراف ليعود إلى بيته مبكرا سعيدا بإنعام سيده وولي نعمته!

يمر أول شهر في سنة الامتياز فيهرع الطبيب المستعبد إلى الخزينة ليحصل على راتبه، لقد بذل الجهد والعرق وجاءت لحظة جني الثمار! فيقف في صف طويل منتظرا دوره للحصول على ثمرة جهده فيفجأ في النهاية أن مرتبه 250 جنيها! فيبوء بالحزن والحسرة والانكسار.

إن أي غياب أو تقصير يرتكبه طبيب الامتياز الذليل عواقبه صارمة، فقد يتم توقيع الجزاءات عليه ليُخصم من راتبه الهزيل، وهذا ما حدث معي فعلا؛ فقد كنت أحيانا أفرّ من تلك السُخرة الإجبارية هاربا بنفسي العزيزة التي تأبى المذلة والهوان فأفجأ في نهاية الشهر أن مرتبي صار 10 جنيهات! ولكن لا بأس لأتمثل قول عنترة بن شداد:

فَلا تَرضَ بِمَنقَصَــــــةٍ وَذُلٍّ        …     وَتَقنَع بِالقَليلِ مِنَ الحُطــامِ

فَعَيشُكَ تَحتَ ظِلِّ العِزِّ يَومًا …     وَلا تَحتَ المَذَلَّةِ أَلفَ عــامِ

إن هذا الراتب الهزيل المذلّ يدفع أطباء الامتياز للعمل الخاصّ في المستوصفات والمستشفيات الخاصة، ولكن أي عمل في مستشفى خاص وطبيب الامتياز غير مؤهل لممارسة الطب؟! إن المعلومات الضئيلة التي يحصل عليها طبيب الامتياز في مقابل تنفيذ أوامر نائبه لا تكفي لأن يمارس المهنة! ولكن لقد خرج السهم من القوس! لا حيلة ولا بديل لذلك الطبيب المسكين الذي لا يجد ما يكفيه فيضطر للعمل الخاص بلا رقيب أو حسيب!، والمرضى المساكين لا يدرون الكارثة، يعالجهم طبيب غير أهل، ولكن ما التثريب عليه وقد تخلى عنه وطنه وبخل عليه بحقه؟!

إنها العبودية في أبشع صورها القبيحة، وإنها أصناف المذلة التي يكتمها كل طبيب شاب عن أهله وأصحابه، إن صورة الطبيب اللامعة أمام الناس ينبغي أن تظل لامعة فلا ينبغي أن يبوح الطبيب بما يكابده من مهانة وألم أمام الناس، إنه يتوارى عن الحقيقة البازغة التي تصدمه وهي أنه لا قيمة له في هذا الوطن؛ ما هو إلا عبد من العبيد عليه أن يطيع ولا يعصي وأن يستكين ولا يتمرد وأن يسكت ولا يصرخ، عليه أن يمضي كما مضى سابقوه لتستمر عجلة الهوان تدور بلا توقف! وعليك رحمة الله أيها البارودي حين قلتَ صارخا:

كُلُّ صَعْبٍ سِوَى الْمَذَلَّةِ سَـــــــــــــــــــــــــهْلُ    …   وَحَيَاةُ الْكَرِيمِ فِي الضَّيْمِ قَتْــــلُ

لَيْسَ يَقْوَى امْرُؤٌ عَلَى الذُّلِّ مَا لَمْ … يَكُ فِيهِ مِنْ صِبْغَةِ اللُّؤْمِ دَخْـــــلُ

إِنَّ مُرَّ الْحِـــــــــــــــــــــــــــمَامِ أَعْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذَبُ وِرْدًا      …    مِنْ حَيَاةٍ فِيــــــهَا شَــــقَاءٌ وَذُلُّ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد