الحقيقة أنني لا أحب تحويل بعض الأمور الخاصة بالمرض أو الوفاة إلى بكائياتٍ ومراثٍ، حتى الراحل الزميل الصَّحافي المصري أيمن عبد التواب، كان يفضل التعامل مع أزماته بهذا الأسلوب؛ فلا زيادة أو مبالغة في التعاطف والحزن مع حالة المريض، حتى عند الحديث معه، تشعر أنه يأخذك لمناطق وموضوعاتٍ أخرى، مُضحكة أحيانًا، وكأنه لا يريد التطرق لقصة المرض.

دائمًا، كانت منشورات الزميل الراحل أيمن عبد التواب على صفحته بـ«فيسبوك» تكشف عن المساحة الواسعة التي منحها للسخرية من أزمته الصحية الصعبة والشاقة والتي واجهها بشجاعة الفرسان، وكأنه يواجه الآلام بالضحكة والنكتة و«الإِيفيه» الذي كان زميلنا بارعًا في إلقائه وكتابته.

أعترف بأنَّ ما أكتبه هنا كلمات ثقيلة على قلبي أدونها بصعوبةٍ، أَنْ أكتب عن رحيل زميلٍ وصديقٍ له أيادٍ بيضاء عليَّ، حتى لو كانت تلك الأفضال نصيحةً، طريقة تعاملٍ في عملٍ سابقٍ، تشجيعًا ودعمًا حتى لو كان بمكالمةٍ هاتفيةٍ سريعةٍ، لكنها في الوقت عينه رسالةٌ صادقةٌ وشهادةٌ عن الإنسان النبيل أيمن عبد التواب، يبرر كتابتها أنّها لن تكون بكائياتٍ ومراثٍ، ولكنها تنفيذٌ لجزءٍ من وصية الراحل أيمن عبد التواب، والذي طلب في وصيةٍ نشرها الزميل الصحافي إبراهيم الديب، الدعاء له، وتذكر المواقف الجميلة معه: «عاوزك كمان تسامحني.. واطلب من الناس تسامحني.. وخليهم يدعولي.. ويفتكروني بالحاجات الحلوة إللي حصلتلهم معايا، ويضحكوا.. ربنا يديم عليهم الضحكة الحلوة».

في نهاية عام 2014، علمتُ أنَّ الموقع الإلكتروني المصري «فيتو» يحتاج إلى محررين في قسم الديسك للانضمام إلى «شيفت المبيت» (وقت العمل الليلي في المواقع المصرية يستمر إلى الثامنة أو التاسعة صباحًا) بعد انتقال زميل أو أكثر منه إلى إحدى الصحف الخاصة التي كانت أسبوعيةً وتحولت إلى إصدارٍ يوميٍّ، هذا ما عرفته وقتها من المحيطين بي.

ذهبت وقابلت «عبد التواب»؛ كان رئيسًا للديسك وقسمًا آخر، وبضحكته المعتادة، اتفقنا سريعًا على تفاصيل العمل، وقدَّم لي نسخةً من «ستايل بوك» الموقع، وقتها اعترضتُ على وصفٍ يُستخدم عند نشر أخبار ما في الموقع، رد ببساطةٍ وسعة صدرٍ قائلًا إنَّ هذا الوصف يدعمه ويؤكده القانون، بمعنى أنه ليس اختراعًا من المؤسسة.

عرَّفته أنني على علمٍ بتلك الجزئية، ولكنها مجرد قناعاتٍ شخصيةٍ، لم يتقمص وقتها دور «الريس»، (كلمة يستخدمها الصحافيون المصريون في مناداة الأكبر والأقدم منهم في العمل أو رؤسائهم)، بل ضحكنا وانتهت المقابلة.

وطوال عملي بـ«فيتو» أشهد أنَّه كان نعم الرئيس في العمل، أتذكر أنه حدثت مشكلةٍ بسيطةٍ معي في «شيفت المبيت»، عدتُ صباحًا إلى السكن، وحدثته هاتفيًا عن تلك المشكلة، رد قائلًا: «عرفة أنا رئيسك المباشر في العمل، اعمل اللي عايزة، وأي حاجة تحصل كلمني».

قررتُ ترك المؤسسة بعد فترةٍ لظروفٍ خاصةٍ بعملٍ آخر، ولكن علاقتي بالمكان لم تنقطع؛ تشهد على ذلك سهرات الأربعاء وغيره من الأيام، في المقر الذي صار قديمًا الآن، عندما كنت أذهب من أول «شيفت المبيت» وحتى الصباح، نقضي الوقت في الحديث عن المهنة وغيرها من الموضوعات مع زملاء أفاضل أعتز بصداقتهم: إبراهيم عادل، ممدوح علي، محمد الدمرداش، وكل زميلٍ يتصادف وجوده في ذلك الوقت، أكثرهم محمد زكريا، محرر شئون الأحزاب السياسية، لدرجة أنَّ أكثر أصدقاء لي في الوسط الصحافي يعملون أصلًا في «فيتو»؛ تلك التجربة الصحفية التي أكن لها احترامًا خاصًا.

أما الأستاذ أيمن عبد التواب، فقد كان موجودًا ونشطًا على «السوشيال ميديا»، واستمر التواصل بيننا عبر هذا الفضاء الإلكتروني، وبعد انتقاله من مؤسسة «فيتو» إلى «إعلام المصريين» بفترةٍ، وجدته يحدثني على الخاص، ثم طلب الحديث عبر الموبايل، وقد كان.

بعد السلامات والتحيات، وجدته يحدثني «غاضبًا ومعاتبًا» من عدم قدرته على قراءة الموضوعات التي أنشرها، قال مبررًا هذا الأمر: «العناوين والموضوعات بتشدني، وأنت كل موضوعاتك في مواقع محجوبة، أو بها مشكلات فنية، لازم تسوَّق شغلك في أماكن تانية».

في حديثٍ مختصرٍ، شرحت له أنَّ تلك المواقع سقف الحرية بها أعلى يتناسب مع قضايا نناقشها، وأن هذه المواقع الإلكترونية أجد فيها تقديرًا، أما المشكلات الفنية، فنعم كانت تعصفُ بمكانٍ أنشر به باستمرارٍ، والشكوى من عدم فتح الموضوعات كانت مكررة، ثم حُلّت الأزمة فيما بعد، أما قصة الأماكن الثانية، فالحقيقة أنَّ هذا الأمر تحكمه قناعات كثيرة بالنسبة لي؛ أهمها أنني لا أستطيع العمل في أماكن تديرها «الشللية»، أو أنَّ العمل بها يكون ضاغطًا وثقيلًا عليَّ «يفرم» وقتًا مخصصًا للقراءة أو الكتابة، أو يرهقني نفسيًّا، وكم من فرصٍ قابلتها بالرفض لهذه الأسباب، وأتمنى ألاَّ تجبرنا الظروف للتنازل عن تلك القناعات؛ ففي النهاية مهنة الصحافة لا تحقق لي إلا إرضاء «شهوة وغواية» الكتابة والنشر.

تلك المكالمة كانت الأخيرة بيني والأستاذ أيمن عبد التواب، شهادتي عنه المدوَّنة هنا يعلم صدقها الله.

نعم، رحل أيمن عبد التواب، وهذا مصير كل حيٍّ، لكن القدرة على «ترويض» المرض، والتعايش معه، والانتصار المعنوي عليه، متطلبات لا يحققها كل إنسان، وحققها الراحل أيمن عبد التواب، وسيبقى في الذاكرة إنسانًا نبيلًا، صحافيًّا موهوبًا، ساخرًا عظيمًا، والسيرة دائمًا أطول من العمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد