أيها الرب المقامر على أفئدة الملايين المؤمنة بجبروتك ورحمتك.. ساعدنا، وانتشلنا من براثن التفكك والانهيار..
أيها الرب العالي في ملكوته، وقد أغضبك جهلنا وقلة حيلتنا فعزلت نفسك كارها عبادك الفاسدين، عد إلينا لتملأ حياتنا بمشاعر الطمأنينة والأحاسيس المرهفة.

أيها الرب الجميل والمملوء رحمة، نحن ننتظرك بالقرب من محطات القطار وعلى نواصي الحواري، كي تهلك بيديك كل الظالمين لنعيش في ملكوت رحمتك سعداء آمنين.. فهل تأتي وتستجيب لصرخات الملايين المحرومين منك أيها الرب أنت الأمل.. فعد إلينا

هكذا يستهل كرم صابر الكاتب والمحامي المصري مجموعتة القصصية التي صدرت في عام 2010 عن دار نفرو في طبعتين خلال سنين الثورة وتسببت بحكم بالسجن لمدة خمس سنوات لكاتبها تحت إطار ازدراء الأديان.

الحكم كما ورد عن الكاتب وقتها أن الاتهام جاء بسبب أن هناك أحد المشايخ الذي يعمل بالأوقاف من قرية تابعة لمركز ببا له علاقة بالتيار الإسلامي وراء القضية، وأن القرية التي منها الشيخ كان قد رفعت قضية فيها لصالح الفلاحين، وحصل لهم على حكم بأحقيتهم في أرض الأوقاف؛ مما أثار غضب الشيخ، فأقام القضية بعد أن استضاف أهل القرية الكاتب في ندوة، وحصل أحدهم على نسخة من المجموعة القصصية.

1- عن المجموعة

القصص تتحدث عن الفقراء والمهمشين العامة البسطاء كعادة أدب كرم صابر الذي يتخذ طابعة من نسخ المعاناة المنسية لجماهير المعانين من أهل البلاد داخل الحياة اليومية.

فيما يلي أعرض عليكم قراءات موجزة لبعض القصص المختارة من المجموعة

القصة الأولى

2- النوم في الصلاة

هي عن اعتقاد الناس أن الإيمان بالقلب والخوف، وأن الفعل لا يشكل جوهر الدين، فالأم في القصة لم تمنعها الصلاة من حث ابنها علي فتح باب المنزل لوالده، وحين لم يعرها انتباهًا قامت بسبه في الصلاة ليفتح الباب، الابن نفسه (والذي يعمل في بيع الأنابيب مقتنع بذلك، فهو يسكر مع أصدقائه كل يوم، ويحششون عند أحدهم في حين أن والده الخباز والحمال مقتنع أنه لا يترك فرضًا من الصلاة، وتتمحور حبكة القصة على اكتشاف الوالد شرب الابن للمنكر.

هذة القصة التي كتبت بلغة سلسة وبنية سردية واعية لمفاهيم القصة القصيرة تذكرنا بطريقة سرد يوسف إدريس إنما تعبر عن مهزلة في فهم النص الديني نراها دائمًا في الأسر المصرية بسبب أن الناس لا تقرأ.

القصة الثالثة

3- الميراث

بنت علي ثلاثة ذكور وبنت أخرى طيبة لا يحوي قلبها أي ضغينة ظلت طوال العشرين عامًا تخدم إخونها وتحبهم وتعشق التراب الذي يمشون عليه لدرجة أن زوجات إخوتها كانت الغيرة تملأ قلوبهن من ناحيتها يعطي والدها الذكور كل منهم شقة، وهي وأختها تتزوج وتسكن خارج البيت وتظل تخدم الأب وإخوتها مع خدمة زوجها وبعدما تنجب يموت الأب ويلحقه بفترة بسيطة زوجها، وتصبح بلا معيل ولا معين يثقلها إيجار بيت الزوجية، فتفكر في تركع والسكن في شقة الأب؛ فيرفض الإخوة الذكور متعنتين بشرع الله في تقسيم شقة الأب بينهم، وحين تأخذ متاعها وتذهب إلى الشقة تحسبًا منها أن إخوتها سيرق قلبهم لها، فيطرودنها، ويؤجر لها أولاد الحلال غرفة مع طفلها اليتيم وتظل تتساءل حول عدل الله.

كيف لمثل هذا العمل أن يحاكم بالجحود والنكران، إن القصة تتكلم حول دناءة نفس الإنسان، استخدام الدين والشرع الذي وجد على الأرض، لينعي الظلم بين الناس في ظلم الناس، إنها المفارقة.

القصة الأخيرة في الكتاب بعنوان

4-أين الله

فيا رب هل تراني وتسمعني، هل تنجدنا وتحمي قلوب أهل قريتي الحيرانة من غل التجار؟ وترفع البرقع من على وجوه النساء لينرن بجمالهن ومفاتنهن، وشعورهن، ونهودهن حياتنا المظلمة، وتأمر بسيف ميزانك العادل بالحب، لينعم من يعطونك عرقهم وجهدهم لمدينتك الفاضلة بالأمان؟ هل تعود لتوقف صرخات الشر في أماكن سموها بيوت العبادة، بعد أن ملأها بالقبح والغل؟ يا رب إنني أراك، وواثق أنك ستعود لتحمينا وتعيد البراح والأمل.. يا رب لا تخذل دعاء عبدًا آمن بك

في هذة القصة يخرج كرم صابر عن البنية القصصية ويتحول بها بسرد متباك لمرثية للماضي حنين للطيبة في القلوب أسفًا على مصائب الدهر، فمن عالم تقل فيه الصراعات وتتمحور الحياة حول الحب والأمل والعزوة، ماض لا نبغض بعضنا البعض فيه بسبب الدين، ولا يبعث فينا أصحاب اللحى الكراهية ضد بعضنا وضد أنفسنا، لا براقع ونقابات تعامل المرأة وكأنها ملكية شخصية للرجال، ولا أحقاد للملل الأخرى، ولا حديث عن العذاب والحيات الصلعاء سادي الوصف من أصحاب اللحي الطويلة، كرم صابر يحكي عن عالم الفقراء، عالم البسطاء ويتعمق بهم دومًا.

الخاتمة

مع أن هذه المجموعة غاية في الجمال وأدبيًا وفنيًا جيدة وتحمل الهدف النبيل، إلا أنها حوكمت ونبذ الكاتب من قبل مجتمعنا، حتى وان كان رائعًا بحق في الكتابة، فرواية كلاب السكك الصادرة عن دار صفصافة تعبر عن واقعية سحرية عربية ممتازة تشبة ما نقرأ في الروايات المترجمة من أمريكا اللاتينية، وتمتاز بنسخها لروح غوغاء المجتمع، ورواية سيرة ذاتية لرئيس كتبت ببنية سرد دائرية، فهي تلتف حول الفكرة عن طريق شخوص يسلمون بعضهم عين الراوي، كما كتب ماركيز روايته الإعجازية التي أراها أقوى أعماله (خريف البطريارك)، فهذه دعوي مني للتعرف على أدب كرم صابر والقراءة له؛ فهذا عملاق مخبأ في قمقم الأدب المصري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد