عن فيلم "أين عقلي؟"

لطالما أدهشتني الرواسب! في كل مكان، لكن أكثرها دهشة تلك التي تبقى في عقولنا لتتحكم فينا. وقد نظن أننا تخلصنا منها، لكنها موجودة هناك، في زاوية ما في فكرك لا يُسلط الضوء عليها إلا في انفعالاتك وتصرفاتك التي تعتقد أنها خارجة عن إرادتك. وهذا ما حدث في فيلم «أين عقلي» مع الدكتور حسن (محمود ياسين)، الذي أتى من باريس معتقدًا أنه قد أصبح «متحررًا» لأنه درس وعاش هناك لعدة أعوام وعاصر ما عاصر من حياته فيها.

كانت زوجته عايدة (سعاد حسني) ومذ تعرفا على بعضهما تلقى اعتراضًا منه –حسن- كلما حاولت الحديث عن علاقتها بخطيبها السابق، الذي كانت تربطه فيها قبل وفاته علاقة شديدة وقريبة لدرجة مخالفة لما هي التقاليد والأعراف سائدة في المجتمعات العربية؛ مبررًا حسن ذلك بأنه لا علاقة له بماضيها وأنه يخصها وحدها فقط. ورغم كل ما كان يقوله، إلا أنه تفاجأ عندما اكتشف في ليلة زواجه أن عايدة ليست عذراء. ومنذ ذلك الحين، استيقظت رواسبه!

ولأنه لم يستطع مواجهة استيقاظها، ظل يصارع بين ما شكلته لديه بيئته العربية الريفية التي ولد وتربى فيها من أفكار، وما كان يدّعي أن يكونه مما شكلته بيئة أوروبا. وقد تحول لمريض نفسي، يحب زوجته لكنه يضمر الحقد لها، يعاشر العاهرات لكنه يبحث عن الشرف فيهن، فكان دائمًا ما ينهي علاقته معهن بمحاضرة عن الشرف وسبب فعلهن هذا الأمر الذي اتخذنه مهنة. وقد بدأ يستخدم مع زوجته أسلوبًا آخر بالتعامل بأن يجعلها مجنونة، وهذا الأسلوب الذي طبقه كان من كتاب علم نفس بعنوان «كيف تصنع مريضًا». ومن يشاهد بداية الفيلم يعتقد فعلًا أن عايدة مريضة نفسيًا، فقد استطاع حسن تقمص مرضه جيدًا.

وبعد معاناة شديدة أحاول أن أختصر ذكرها تجنبًا لـ«حرق» مشاهد الفيلم، استطاعت عايدة بمساعدة الطبيب النفسي زهدي (رشدي أباظة) التأكد من طبيعة مرض زوجها حسن، ومن هنا تبدأ الإثارة بالفيلم، إذ يبدأ هذا الطبيب بالكشف عن تصرفات حسن التي كانت تجهلها زوجته، ويتبين للمشاهد –أو على الأقل لي- أن حسن ليس إلا ضحية، للتخبط الذي صادفه بين بيئتين مختلفتين، فمن جهة تلك المبادئ التي غرست فيه بالصغر، ومن جهة أخرى هنالك ما يريد أن يكونه من المتحرر الذي رأى صورته وأُعجب به. كما أن وقع الصدمة عليه في ليلة زفافه لها تأثيراتها، فحتى وإن كان لديه ما لديه من مبادئ إلا أن أي صدمة أو مفاجأة قد تطيح بهذه المبادئ أرضًا أو لنقل قد تضعها موضع الاختبار على الأقل.

وقد كان إحسان عبد القدوس (كاتب القصة) مبهرًا بطرح هذه القضية بشكل جريء بالمجتمع العربي، لكن تحويلها لفيلم سلط الضوء على أمور أخرى لم يكن من الممكن تصويرها بنفس القوة من خلال الكتابة فقط. وهو ما أريد الحديث عنه، فقد ناقشت العديد من المقالات المتحدثة عن هذا الفيلم موضوع العادات والأعراف بالمجتمع العربي، لكن فكرتي هنا ليست كذلك، إنما هي تصوير وتخيل لمدى تأثير بيئاتنا علينا حتى عندما نحاول التجرد منها، وكيف يحاصرنا ما يتبقى منها.

هنالك بعض المشاهد التي نراها خلال طفولتنا تبقى محفورة لتشكل وعينا ما بعدها، ونحن الذين نظنها مجرد ذكريات! وكذلك ما بينته لنا حالة حسن عندما تذكر أخته الصغيرة ذات الـ15 عامًا، التي زوجها أهلها وقد التفت حولها النساء وفي الخارج ينتظرهم الرجال، لتعم الزغاريت والطبول والأحضان بعد التأكد من بكارتها. وكان حسن يقول إن البكارة مفهوم فارغ وساذج، وعندما سأله الطبيب زهدي عن مدى اقتناعه بالأمر رد: «طبعًا! متنساش إني عشت بأوروبا سبع سنين»، ليستمر الحديث بعدها عن بيئة أوروبا ونظرة مجتمعهم للمرأة. لكن الحقيقة أن انفعاله فضحه عندما سُئل عن عذرية زوجته، ليبدأ بعدها بمصارحة نفسه.

كان حسن يبحث عن صورة أخته في فتيات الليل اللاتي يقابلهن، أخته التي تحقق مفهوم الشرف الذي يدّعي عدم إيمانه به، ليقنع نفسه أنهن لم يتخذوا صورة زوجته عايدة فقط. أو كما قال الطبيب زهدي أنه كان يريد أن يتأكد أن زوجته ليست مثلهن، أن البكارة مفهوم وهمي ومن الممكن أن يقابل فتاة ليل عذراء، لكنهن جميعهن كن كزوجته من تلك الناحية. ولربما أيضًا أنه لم يستطع التخلص من ربط مفهوم العُظمة بذلك الفكر الصعيدي، فهو رغم أنه يراه فكرًا ساذجًا إلا أنه كان يرى أبوه الذي يحمل هذا الفكر عظيمًا، لقد كان يتحدث عن عظمة أبوه وقوته التي يرى أنها منطلقة من المنطق الخاص به.

ولكل ما تحمله قصة حسن من تفاصيل، سواء التي ذُكرت أو التي لم تُذكر، لكنها كانت سبب مرضه عندما لم يستطع التخلص من رواسب بيئته، وبغض النظر عما تكون هذه الرواسب ورأينا فيها، إلا أنها بالتأكيد كانت مزعجة، الرواسب دائمًا مزعجة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

#سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد