أنصت لقبعة الشيخ القرضاوي تحكي لك أسرار المعتقلات والسجون أيام الثانوية العامة، أنصت لها تعزف لك نغمة السوط، وأنين الجسد، في سجن باب الطور وطنطا وسجن القاهرة، التي دشنها الشيخ رفقة ثلة من شباب الأزهر آنذاك.

أنصت لقبعة الشيخ القرضاوي تُملِ عليك أعداد الطلبة في المظاهرات أيام النضال الطلابي في الأزهر الشريف ضد الإنجليز وبعض الساعين إلى طمس الهوية، وتغييب دور المؤسسة الدينية.

أنصت للقبعة الحمراء تحكِ لك تألق الشيخ في أروقة الأزهر، خطابة وشعرًا، تحكِ لك قصة القرضاوي الخطيب المفوه والشاعر الموهوب، الذي صنع الاستثناء في صفوف الطلبة ولم يكن ذاك غريبًا يوم أن كان الأزهر يخرج الجهابذة والعلماء.

أنصت لها تحكِ لك تفاصيل السطور التي خطها الشيخ في بدايات المسيرة العلمية في كتابه «الحلال والحرام في الإسلام» والذي فتح الكثير من العقول، ورسم معالم الحلال والحرام للذين لم يرشدوا لقراءة كتب ابن تيمية وموطأ مالك وكبرى مصنفات الفقه والحديث.

ويا ليتك سألتها مرة أخرى عن عدد الأقطار والأمصار التي زارها الشيخ، خطيبًا وواعظًا ومدرسًا فاتحًا على الناس بما فتح الله عليه.

عرفت الشيخ القرضاوي في برنامج الشريعة والحياة – الذي كان والدي رحمه الله ينتظره كل أمسية على شاشة الجزيرة – وقد كنت يومها لا أعرف لا قرضاوي ولا شريعة ولا حياة، إلا أنها كانت تستهويني لهجة الشيخ المصرية – وليتني فهمت المضمون – وهيأته الأزهرية الجذابة، وتعاطيه الهادئ مع أسئلة الصحفي ولم أكن أعرف يومها أن ذاك من وقار العلماء.

جاءت ثورات الربيع العربي التي غربلت ساحة الدعوة وفضحت الكثير من الخدم والحشم، واحتاجت الساحة يومئذ إلى صوت الحق وضمير الحكمة من مثقفيها وعلمائها ومنظريها، واحتاجت إلى عصارة فكرية تؤمن للشعوب الطريق نحو الحرية، فصدح الشيخ منذ أول لحظة ووقف إلى صفوف الشباب الطامح للحرية، ففتح على نفسه موجة تشويه وسب وطعن وتخوين من أبواق دعوية وإعلامية مأجورة، باعت منذ أول وهلة، غير أن كل هذا بدا طبيعيًا، فمواقف الرجال تسلبهم أثمانًا قد تصل إلى حد الفداء بالنفس في سبيل نصرة الحق والدفاع عن المظلومين، ويرد الشيخ في كل مرة بهدوء واتزان وحكمة، ردودًا مثقلة بالدليل الشرعي والحكمة النيرة، تحكي لك بالمقابل ضنك المتحاملين والقادحين من حمال الأحقاد والضغائن الذين لم تنعم عليهم الحياة بالجلوس في حلقة علم، ولم يوفقوا إلى معرفة قيمة العلم والعلماء. 

يا ناطح الجبل الأشم بقرنه *** رفقًا بقرنك لا رفقًا على الجبل

ونال الشيخ حظه الوافر من جموع الأنظمة والحكومات ومنظمات الهلاك العالمي، وتحركت الأجهزة كلها في جميع المستويات، برعاية القانون الدولي، تناطح الشيخ القرضاوي بمذكرات التوقيف والإقامة الجبرية والنفي إلى الخارج، وآخرها ما كان في أزمة الخليج. وأمام كل هذا لا سبيل للتعجب، فالشيخ القرضاوي دولة لا حدود لها، ومنظومة تنويرية، ما زالت إلى اليوم تهدد بقاء الظلم والاستبداد والفساد.

زاد اطلاعي على سيرة الشيخ في آخر جلسة له في قناة الجزيرة مع الصحفي علي الظفيري، فتكشفت لي معالم بحر لا حدود له، وجوانب شخصية عظيمة، وقامة علمية سامقة، عندما يحكي الشيخ عن حياته اليومية التي يقضي منها أكثر من 12 ساعة يوميًا في مكتبته، مدارسة للعلم وتعميقًا للفهم في سبيل الاستعداد لنوازل هذه الأمة، والمكتبة الإسلامية تحمل اليوم أكثر من 200 مؤلف في مختلف العلوم والفهوم بوسم الشيخ يوسف القرضاوي، وقد وقفت بتوفيق من الله عز وجل على اثنين منها، كانت البداية بكتاب الحلال والحرام، ثم كتاب «المسلمون والعولمة» الذي شرح فيه مفاهيم العولمة السياسية والثقافية والدينية، وما وراء العولمة، والذي يفهم من مصطلح العولمة في هذا العصر. وقائمة المؤلفات طويلة.

وحيثما ذكرت السياسة الشرعية وفقه النوازل وفقه الأقليات وفقه الأولويات فالقرضاوي حاضر معك بتحليله واجتهاده واستنباطه.

فالشيخ يوسف القرضاوي إضافة إلى أمتنا في هذا العصر وسند قوي في مضمار الحضارة والتصادم مع الحضارة الغربية، ولو كان هذا الاسم عند غيرنا من الأمم لرصعوه في سجلات العظماء ومدونات التاريخ.

لكننا رصعنا للشيخ اسمًا في مذكرات التوقيف والحظر الدولي، وكان هذا جزاءه من محاربة الفساد والطغيان، ولقد كفتني في الرد أبياته، ونابت عني محبرته إذ يقول:

تالله ما الطغيان يهزم دعوة *** يومًا وفي التاريخ بر يميني

ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي *** بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكري ساعة *** ولا نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدي *** ربي وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي *** وأموت مبتسمًا ليحيا ديني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد