نــحــن ثـرنـا فــحـيـاة أو مـمـات
وعقدنا العزم أن تحيا الـجـزائـر
فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا

قال الغزالي رحمه الله: والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص.
وقال الجاحظ: كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه.

أنا أحب بلادي كثيرًا
هل تعرفون ماذا أحب فيها؟

أحب الأبنية المتداخلة ببعضها البعض، وتنسيقها العشوائي وألوانها الجميلة، حين أتجول خلالها أشعر أنها تعبر عن لُحْمة بين سكانها. أحب حجر الرصيف الذي عندما تدوس عليه أثناء هطول المطر يرش كل الماء عليك، أنا أحب حجر الرصيف ذاك وأحب أن أتبلل بمائه أيضًا.
أحب الرجل الذي يغتصب حق الجميع ممن ينتظرون على الدور، نعم أنا أحب ذلك الرجل لأنه صادق لا يُعير للحضارة اهتمامًا هناك، الرجل عنده عمل طارئ فيذهب للأمام فورا كأن شيئا لم يحدث، أنا أحب كل مظاهر البساطة تلك، وإن أعظم الحب أن تحب كل صغيرة في محبوبك، فكيف يتفاخر علينا بعض السذج بحب الوطن، وكأن الوطن ملك لهم، إننا جميعًا أبناء هذا الوطن ومن تفاخر علينا بتاريخه فليبقى في المتحف.

صديقي! كم شاعرًا تعرف من شعراء الوطن؟
لِكم منهم قرأت؟
أنا قرأت كل ما كتبوه أو جله، قرأت ما كتبه سي محند أو محند وهناك حب الوطن في كل بيت وكلمة، قرأت للموهوب عمروش، قرأت حتى الصباح ما كتبه مالك حداد مرات ومرات.. ولكن أكثر من غِرت منه هو مفدي زكريا، الرجل كتب النشيد الوطني بدمائه في السجن.
أنا أعشقهم كلهم، لأني أعبد كل شيء فيه رائحة هذا البلد.

صديقي! هل تجولت في جبال الأوراس؟
هل وقفت هناك وتعجبت قائلًا: يا ترى كيف فعل أولئك الرجال كل تلك التضحيات! أنا تعجبت وبقي فمي مفتوحًا، حمدت الله لأني أعيش في هذا البلد، نعيش فيه أحرارًا بفضل أولئك الأبطال الذين رسموا تاريخًا عظيمًا وكبيرًا، فحُق لنا أن نفخر بهذا التاريخ ونفخر بهم وبوطننا.

بعد كل هذا كيف لا يكون لهذا الوطن أعداء، طبعا سيكون هناك أعداء لأن بلادنا جميلة جدا، لأنها تزخر بالتضحيات الجسام حتى أنا لو رأيت من هناك لأصبحت عدوا لأنني سأغار، لكني الحمد لله من هذا الوطن وسأحبه كثيرًا، ليس طمعًا فيه، ولكن لأنه عظيم وعميق.

أحب وطني كثيرًا، أحبه كما أحب النبي صلى الله عليه وسلم مكة، فقال عليه الصلاة والسلام كلامًا تقشعر له الأبدان حين أخرجته قريش منها، قال: ما أطيبَك من بلدٍ! وما أحبَّك إليَّ! ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنتُ غيرَك؛ رواه الترمذي.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مكة ويكره الخروج منها، رغم ما فعله به أهلها، كان يأمل أن يجد منهم لينًا واستجابة لدعوته وأن يكونوا حملتها، إلا أن حكمة الله أبت إلا أن يخرج منها نحو المدينة، ثم عاد إليها يوم الفتح، وكان أبر بأهلها من أنفسهم حين قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فكان بره بهم كرامة لوطنه.

إلى كل الذين يتفاخرون علينا بالوطنية؛ أنا أحب بلادي كثيرًا، وسوف أحبها حتى الموت.. ولكن ليس مثلكم.

رحم الله شهداء نوفمبر الأبرار. وكل عام والجزائر بخير.

الجزائر في: 01 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. ذكرى اندلاع الثورة التحررية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد