مُنحت الإسكندرية لقب عروس المتوسط من فرط تمايز جغرافي وثيق الصلة بين الحضارة اليونانية ووادي النيل، لكن العروس التي تربعت على عرش الحسن والجمال، أبت أجهزتها الإدارية إلا أن تتربع هي الأخرى على عرش الرشوة والفساد، ليرتع «المقاول» ويلعب كما يحلو له في محليات المدينة بلا سلطة تُقَاضي جُرمه أو هيبة تردع لصوصيته لتجوز الجريمة بالرشوة تحت سمع وبصر مسئولي الحي، المؤسسة الأكثر فسادًا في المحافظة بل الأكثر فسادًا على مستوى الدولة، وثيقة الصلة بالمخالفين للقانون والمبددين لحقوق الوطن وحقوق أبنائه، وفي حادثة «الأزريطة» يُكشف الغطاء عن فساد مستنقع المحليات، ولنتعرف على الأسباب التي أدت لسقوط العقار.

غياب السلطة وهيبتها مكّن الفساد من الانتشار

1. رخصة العمارة حددت بأرضي وطابقين، لكنها استُكملت حتى الدور الـــ13 بدون عمل «خوازيق» في الأرضية – طريقة بناء في الإسكندرية لتتحمل الزلازل لأنها بُنيت قديمًا على فراغات – وهذه الجريمة كشفت تقاعس الحي والمهندسين بل الأحياء بشكل عام من البداية وحتى النهاية.

2. عمارات الأزريطة التي تبعد عن حي وسط 200م – فضيحة للمؤسسة – مخالفة الأطوال التي تعارض الطيران لقربها من مطار النزهة! كيف سمحت الرقابة بذلك؟!

3. العقوبات غير رادعة لمثل هذه الأمور والحي لا يحاسب أحدًا، بل هو بشكل عام من يعقد الصفقات بين المقاولين والمخالفين بالأخص، وبإمكانك القول أن المهندسين والمتابعة وموظفي إشغال الطريق يُعتبرون من أثري أثرياء مصر جراء الصفقات التي تُبرم والتي يُجرم عليها القانون، لكن -هؤلاء السادة- القانون لا يُطبّق عليهم!

4. هذه المخالفات، تُكتب باسم «الكَحُول» -أي شخص بالإسكندرية يعلم هذا الأمر، يأتي المقاول بأي بواب ويعقد اتفاقًا معه بمعرفة الحي في مقابل كتابة المخالفات باسم هذا الرجل، وفي حالة حدوث أي مصيبة يُقاضَي «الكحول»، أما بالنسبة للسكان إذا ثبت أن الساكن غرر به فله حق التعويض، وهذه الأمور تأخذ من الوقت عشرات السنين، أما إن كان يعلم إنها مخالفة فلا حق لديه عند الحكومة في الشكوى.

تواطؤ المسؤولين في كل أحياء الإسكندرية

دور الرقابة الإدارية منعدم تمامًا في أحياء الإسكندرية، وليس فقط «حي وسط» -أقرب مثال حي العجمي- مبان مخالفة على الشارع العمومي ولا يوجد أي محاسبة لأي مخالف طالما الأحياء والمحافظة والرقابة متواطئة في ذلك، وطالما الصفقات تُعقد والأموال تُدر فالأمور بخير، لكن الأمور لم تكن يومًا بخير وهذا ما كشفه الفيديو الذي تداوله الشباب السكندري عن جلوس مسؤلي الحي أ/ محفوظ سكرتير عام الحي والمهندس أحمد آدم مهندس الإزالة مع مخالفين وهم «عمر وكريم» أشهر مقاولي العجمي على طاولة واحدة بمطعم شهير، لعقد صفقة ما مع المخالفين للقانون، حيث إن طبيعة ومهام وظيفتهم تجعل هؤلاء المخالفين مجرمين في نظر القانون وهما المسئولان التنفيذيان عن تطبيق القانون مع هؤلاء فكيف يتواجدان معهم في مطعم –لمشاهدة الفيديو اضغط هنا

وطبقًا للقانون هذا مخالف للمواد :56-57-59 (الباب السابع السلوك الوظيفي والتأديب) اضغط هنا لقراءة النص كاملًا.

المادة (56) يتعين على الموظف الالتزام بأحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية وغيرهما من القوانين واللوائح والقرارات والتعليمات المنفذة لها، وما يصدر عن الجهاز من قرارات تنظيمية أو تعليمات أو نشرات أو كتب دورية فى هذا الشأن، ومدونات السلوك وأخلاقيات الخدمة المدنية الصادرة من الوزير المختص.
ويحظر علي الموظف بصفة خاصة مباشرة الأعمال التي تتنافى مع الحيدة والتجرد والالتزام الوظيفي، أثناء ساعات العمل الرسمية أو ممارسة أي عمل حزبي أو سياسي داخل مكان عمله أو بمناسبة تأديته لهذا العمل أو القيام بجمع تبرعات أو مساهمات لصالح أحزاب سياسية أو نشر الدعاية أو الترويج لها.


المادة (57) كل موظف يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يُجازى تأديبيًا، ولا يُعفى الموظف من الجزاء استنادًا إلى أمر صادر إليه من رئيسه إلا إذا ثبت أن ارتكاب المخالفة كان تنفيذًا لأمر مكتوب بذلك صادر إليه من هذا الرئيس بالرغم من تنبيهه كتابةً إلى المخالفة، وفي هذه الحالة تكون المسئولية على مُصدر الأمر وحده، ولا يُسأل الموظف مدنيًا إلا عن خطئه الشخصي أي خدمات نصوص الخاصة بواجبات الموظف العام- صورة طبق الأصل من قانون الخدمة المدنية 18ل2016

المادة (59) وافق عليها المجلس مع استطلاع رأي هيئة النيابة الإدارية مع عدم الإخلال باختصاصات الجهاز المركزى للمحاسبات، تختص النيابة الإدارية دون غيرها بالتحقيق مع شاغلي الوظائف القيادية وكذا تختص دون غيرها بالتحقيق فى المخالفات المالية التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للوحدة أو المساس بها.
كما تتولى التحقيق في المخالفات الأخرى التي تحال إليها، ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة للسلطة المختصة في توقيع الجزاءات والحفظ.
وعلى الجهة الإدارية المختصة بالنسبة لسائر المخالفات أن توقف ما تجريه من تحقيق في واقعة ما أو وقائع وما يرتبط بها إذا كانت النيابة الإدارية قد بدأت التحقيق فيها، ويقع باطلًا كل إجراء أو تصرف يخالف ذلك.

العجيب أن المخالفين هؤلاء، لهم عمارات مخالفة وصلت للدور الـــــــ13 وأدى التقاعس عن إزالتها إلى جريمة أخرى وهي سقوطها وموت 3 عمال بالخطأ – إضغط هنا لمشاهدة الخبر – من أعلى العمارة في منطقة بيانكي، ورغم أن الخبر لم يذكر أن الرخصة مخالفة ولم يذكر عدم وجود أسس هندسية (وهي شخص واحد يركب السقالة)، إلا إنها أشهر حادثة مخالفة في حي العجمي، خاصة إن الأمر هذا قد حدث بعد «عزومة المسؤلين» للانتهاء سريعًا من تشطيب العمارة، وانتهي الأمر كما علق رواد المواقع الالكترونية «بأكلة سمك في مطعم شعبان «!!

في حين أن عمارة من أربعة أدوار تُزال بدون أي قرار، ليس إلا لأن صاحب العقار لم يدفع المعلوم، وهذا الأمر أتى به الأستاذ وائل الإبراشي في حلقته «من يقف وراء قرار إزالة العجمي» إضغط هنا لمشاهدة الحلقة

وبعد كل هذه الأدلة لا نجد أي تدخل من الأجهزة المعنية، وكأن الأمر طبيعي.

هناك 100000 مخالفة مبان بالإسكندرية، وعدد المقاولين المُحاسبين صفر!، هناك قتلى إثر انهيار عقارات مخالفة وحساب المتسببين منعدم!، هناك مسؤلون رُشاة يتمّون صفقات عيانًا بيانًا مع مجرمي العقارات لكن للاسف لا حياة لمن تنادي!.

هناك لصوصية في مستنقع الأحياء، كشفت عنها عمارة الأزريطة، والمشكلة في إيجاد الجهاز الرقابي الجيد الذي يستطيع منع الجريمة قبل وقوعها، الأحياء يا سادة هي الشريك الأكبر في الجريمة لأن النجاح يكون في منع المخالفة وليس إدراجها في الملفات حتى وصلنا إلى مائة ألف حالة، فأصبحت الأحياء أجهزة إحصاء وليست أجهزة تنفيذية لمنع المخالفة !!

الأحياء تحتاج لثورة لوقف مسلسل الفساد، وهم الأولى بالإصلاح وليس بإيجاد آليات قانونية جديدة، فمصر تملك من القوانيين ما يكفي دول العالم ويزيد ولكنها لا تملك إرادة الإصلاح .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد