هى ملحمةٌ أسطورية ، قصةٌ تكشفُ الضوءَ عن النفسِ البشريةِ في قمة تناقضها ، هناكَ حيثُ تخلى الجمعُ عن الاحتفاظِ بمكنونِ النفس؛ ليخرجَ به للمواجهةِ الصريحةِ المهلكةِ في آن واحد !

لن ندخل في مضمارِ القصةِ التى يعرفها جميعنا ، لكن سنحلقُ من فوقها ونغوصُ فى أعماقِها علنا نجد نرى فيها ما لم نراهُ من قبل .

قال العقادُ مرة ” ليس المهم أن تكون في النور كي ترى .. المهم أن يكون ما تود رؤيته موجود في النور “.

هذا ما فعله ابراهيم فى قصته مع أبيه وقومه ، حيثُ سلطَ الضوءَ على ما كانوا يهرعون منه من قبل ، واجه فطرتهم التى ظلت سجينةً للموروثاتِ عقودا طويلة ، دقَ طبولَ معركتِهمُ الكبرى بلا سابقِ إنذار.

إبراهيم: حيث حَمل قناديلَ النور

يقولون إنَّ أول خطوةٍ لزرعِ حديقةٍ من الوردِ هى أن تُزيلَ الشوكَ بدايةً ، وما دامت الأجسادُ جاثمةً على القلوب والعقولِ، فلن تَبرحَ مكانها وستُقاتِل من يحاول تحريكَها، فماذا لو تحركتِ الأجساد لتتركَ شعاعَ النورِ يتسللُ للقلبِ ولو لبرهةٍ من الزمن !

تجلى إيمانُ إبراهيم عليه السلام في صورةٍ مختلفةٍ: حيثُ اهتدى بمشاعلِ العقلِ وثارَ فيها على موروثات القومِ، بعدَ أولِ شعاعٍ من النورِ بانَ له وظل يتتبعه !

فحق لأحدنا أن يَكتُبَ عنه ” إبراهيم : ذاك الذى يؤمن ” وبعدها قررَ إبراهيمُ أن يحمِل شعاع النور ذاك؛ ليهدى بهٍ قلوبا ضلت ، فما كانَ له إلا أن يبدأ بأقربِ الناس إليه ، بدأ بأبيه، لكنه قانونُ البشريةِ الأعظم جاء ليخبرنا أن النورَ وحده لا يكفى ، فكم من مرةٍ رأينا طريقَ النور واضحا جليا وقررنا أن نسير في غياهب الليل !

ويبقى قانونُ الهداية قانونا أزليا كُتِب بأحرفٍ من نور( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ) [ القصص[ 56

وعلى هذا تبقى سنابلُ النورِحجةً على أولئك الذين انحازوا للموتِ حينَ كانوا على الخطِ الفاصلِ بين الحياةِ والموت ، وتبقى الموروثات – كثيرا منها – سرابا يحسبه الظمآن ماءً فيه النجاة ، حتى إذا ما اقتربَ منه لم يجد سوى مرايا تعكسُ صورة الطريقِ الذى تركه خلف ظهره !

آزر: بين الكُفرِ والإيمان

حيثُ ننظرُ لخيارين متاحينِ دون مشاعرَ مسبقة ، فإن الأفضليةَ دوما تكونُ لما اختارهُ العقل بعدَ طول تفكير وتمحيص . لكن ماذا يحدثُ إذا شابَ القرار كثيرا أو قليلا من المؤثرات التى تكونت بفعل الزمن؟

حسنا لنُلخص ما وصلنا له حتى الآن ، استخدمَ ابراهيم عقله فكفر بما يعبُدُ قومه ، حمل قناديل الهداية وسار لقومه كي يقودهم ، بدأ بأبيه الذى نبذه بعد أول حوارٍ بينهما ، لم يتراجع إبراهيم، ولم يترك شعلة النورِ لتنطفئ ، كسر الأصنام وهنا تبدأ الملحمة !

قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ( ]  (63سورة الأنبياء [

هنا كانت الضربة القاصمة ، هنا حيثُ التقى الكفرُ بالايمان ، وتنظرُ للسائلين فتراهم على الخطِ الفاصل بينهما يترنحون ، وتخرجُ الفطرةُ من سجنها لتدقُ ناقوس الهداية، فالفطرةُ كامنةُ فى كُل منا مهما تكالبت علينا تغيرات حدثت لمرورِ رياح الزمن .

تُرى ما الرد ؟ خاطبَ إبراهيمُ أعماقهم ولم يخاطب هيئاتهم ، تحدث فيهم فترك الصدى داخلهم ، ولم يتحدث لهم كي يسقط صوته فى التيه !

فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ((64 ]  سورة الأنبياء [

هنا كادوا ينحازون للحياةِ على حساب الموتِ ، حيثُ تحررت الروح وحلقت الفطرةُ التى خُلقوا بها ، راجعوا أنفسهم وتفكروا فى أمرهم ، اعترفوا بضلالهم وواجهوا أنفسهم بحقيقتها وأقروا على أنفسهم بالشرك ، وهذه هى الخطوةُ الأعظم حين نواجهُ النفس ، وهى أن نجعلها تعترفَ بداية بخطئها وضلالها ، ثم تكونُ الخطوة الأولى على طريقة الهدايةِ وتصحيح المسار.

لكن تأتى الصاعقةُ لتهدم ما تمَ بناؤه وتسلبُ الفطرةَ حريتها مرةً أخرى وتردها للسجنِ برفقة العقل .” ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)” ]  سورة الأنبياء [

لم تكتمل الخطوة الأولى فى طريق الهداية حتى خرج الباطل ليُسدَل الستارَ على رحلة العقلِ وتحليق الفطرة ، فكسب الباطل الكامن فيهم جولةً من جولاته مع الحقِ الذى لم يتركوا له فُرصةً ليتبين لهم هوانَ ما هم فيه .

حجاب العقل!

نعود فنتساءل ، كيف رجحَ القوم كفة الجهل رغم ما تراءى لهم من بطلان ما كانوا يعتقدون ؟ كيفَ نشأت تلكَ الغشاوة التى أودت بأصحابها فجعلتهم يسلكون طريقًا علموا مسبقا أنهم سيسقطون على جنباته لا محالة ؟

نرجعُ قليلا لننظُر كيف نسجوا حجابا على عقولهم

“وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)”  ] سورة الأنبياء [

إذا هى مأساةُ الإنسانيةِ الكُبرى ، حجابُ العقل وسجن الفطرة ، موروثاتٌ تناقلوها دونَ أن يتركوا للعقلِ مجالا لفحصها ! موروثاتٌ حملت في طياتها أوزارَ قومٍ هلكوا وأهلكت من حملها بعدهم ، قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين ! نعم هنا تتجلى منابر التيهِ التى أهلكت السابقين وقَلَّ من اعتبرَ بمن سبقوه !

يمضى شريط الإنسانية بعدها ليقف عندَ النبى محمدٍ مع قومه ،  لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا عماه قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة”، فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك !

هنا نرى مشهدا آخرا للانحياز للباطل تمسكا بموروثات القوم وما اعتنقوهُ طيلةَ حياتهم دون مقدرةٍ على مجابهتها ولو بكلمة.

يتراءى لنا كيف ينسابُ ما نعتاده فى أرواحنا انسيابَ الدمِ فى الجسد! هى مشاهدٌ تختلف فى ظاهرها وتتشابهُ فى حقيقتها ولا تزالُ تتكررُ منذُ بدء الخليقةِ حتى يومنا هذا ، تختلف الصورةُ وتتغيرُ الوجوهُ لكن تظل الحقيقةُ ثابتة لا تتغير .

إسقاطٌ محتوم !

تنتهى الحكايا وتبقى العبرةُ والعظة ، فما كانَ التريخُ يُسردُ كى نتسلى بهِ فى مجالسنا، لكن لنأخذ العبرة ونتقى شرورا أودت بمن جئنا بعدهم. فلتطلق سراح العقلِ ونعتلى قمم السحاب لننظر فى نفوس البشر ونرى كيف تسيرُ خطاهم! كفر آزر بالحقِ امتثالا لما وجد عليه آباءهم ، فكم كفرنا نحن بأحلامٍ لأنها رُسمت خارج إطار المألوف والمعتاد ؟

كم تجلت لنا الفطرةُ فيما نحبُ لكن وأدناها خشيةَ أن يعيرنا به القوم ! كم تخلينا عن ذواتنا حين آثرنا خفض الرأس عن مواجهةِ رياح المأروث؟ هى جولاتٌ أخرى ضمن صراع الحق والباطل ، سلاح الباطل فيها ” هذا ما وجدنا عليه أباءنا ” وسلاحُ الحقِ  ” لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال مبين ” فلا اعتبار سوى للحقِ أينما كانت وجهته.

لن يفلح قومٌ رأوا باطل ما اعتاد عليه المجتمع فركنوا للقطيعِ وأخمدوا نورَ عقولهم ، ولن تُفلحَ أفكارٌ نبتت بنهجِ كفرِ آزر !

كلمةٌ أخيرة

ما كانت المجتمعاتُ يومًا حكمًا على صواب الطرقِ وخطئها ، تتجلى قيمتك فيما أحببته فأتقنته لا فيما ألبسك المجتمعُ ثوبه ، أنت موجودٌ حيثُ تكمن فطرتُك ويرشدكَ عقلك لا حيثُ ترى منبرالعاداتِ والمُسلَمَات المشوهة .

ما وجدنا عليه آباءنا كان لهم بخطئه وصوابه ، لم نُخلقَ لنرث منهم جُملةَ ما كانوا يعتقدونه ، لكننا نرثُ صوابهم متشبثين بما نرى صوابه نحن ، وكم من أناسٍ خرجوا عن المألوفِ وتركوا أنفسهم فى مضمارِ حياتهم واقتدوا بذاكَ الذى يكمن فى أعماقهم حتى وجدوا حياةً خصبةً بعد كدرٍ ألمَ بهم.

هو طريقنا نحن ، نختارُ وجهتنا ونرسمُ معالمه ، ننتشلُ بوصلتنا من تحتِ أنقاض القومِ ونمضى ، فإما أن نصلَ فننتشى بخمرِ الوصول ، أو أن نسقطَ فى تيه الطريقَ فننتشى بكأس المحاولة ونعود أدراجنا فنحاول من جديد!

فما كان لنا الآن أن نكفُر كما كفر آزر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد