قبل بضعة أيام، كنا على موعد مع احتفالات رسمية وشعبية كبيرة شهدتها العاصمة الأذربيجانية باكو بعد مرور 10 أيام من اكتمال انسحاب القوات الأرمينية من كل أراضي إقليم ناغورني كاراباخ تطبيقًا لوقف إطلاق النار المبرم برعاية روسية، والذي يقضي باستسلام الجيش الأرميني وتسليم مناطق سيطرته في الإقليم تباعًا للقوات الأذريبجانية وفق جدول زمني واضح، بالتزامن مع انتشار قوات حفظ سلام روسية للإشراف على حسن تطبيق الاتفاق.

هذه الاحتفالات تخللها عرض عسكري ضخم أقيم في ساحة، وقد كانت وحدات من الجيش التركي حاضرة فيه (وهو ما له أكثر من دلالة)، هذا وقد كان الضيف الأجنبي الأبرز في هذا العرض هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي استقبل شعبيًّا استقبال الأبطال من قبل الآذريين في شوارع العاصمة باكو، وكأن الرجل يتجول بين مواطني بلده. في الأثناء، يبدو من الضروري الانتباه والتمحيص لبيان الأسباب التي مكنت أذربيجان من تحقيق هذا النصر بعد انتظار طال 25 عامًا. في هذا الإطار، يجدر الإشارة إلى أنني خيرت تأجيل كتابة هذا المقال لمدة شهر لأنه كانت لدي شكوك حول مدى التزام أرمينيا بسحب كافة قواتها من إقليم كاراباخ.

لا تبخس يومًا عدالة قضيتك

طوال ربع قرن من الصراع على هذا الإقليم، لم تبخس أذربيجان يومًا حقها في تلك الأراضي وفي حتمية إعادتها إلى سلطتها من جديد مهما طال الزمن أو قصر. منذ سنة 1988 وهي السنة التي بدأ فيها الأرمن بذل مساعيهم لإقناع الاتحاد السوفيتي (الذي كان يعيش آخر أيامه آنذاك) بمنح الإقليم إلى جمهورية أرمينيا السوفيتية، كان الآذريون يرفضون بشدة أي مقترحات من هذا القبيل. في سبيل ذلك، خاضت أذربيجان حربها الأولى مع أرمينيا وهي حرب انتهت بهزيمة مذلة للآذريين التي أجبرت في سنة 1994 على القبول باتفاق وقف إطلاق نار يبقي على كل الأراضي التي سيطرت عليها القوات الأرمينية خلال الحرب والتي تقدر بـ20% من مساحة أذربيجان.

إذا تلقت دولة أخرى هزيمة مماثلة، ربما كانت ستدير وجهها عن هذه الحرب وتعد قضيتها قضية خاسرة، وأنها لا تستحق كل تلك التضحيات. في المقابل، أذربيجان لم تستسلم ولم تكف عن المطالبة بانسحاب القوات الأرمينية من أراضيها المحتلة، متمسكة في ذلك بالقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والتي تطلب من أرمينيا الانسحاب من أراضي أذربيجان.

في مقابل صلابة الموقف الأذربيجاني، يتجسد لنا في فلسطين النقيض التام لما سارت عليه الأمور في أذربيجان، حيث كان أعظم ما ابتلي به الشعب الفلسطيني ليس الاحتلال الإسرائيلي بل القيادة التي بخست قضيته أمام العالم، وقدمت التنازل تلو التنازل، وذلك على الرغم من أن عدالة قضية شعبهم ساطعة كالشمس. مسار التنازلات هذا كان قد بلغ القاع حين شاهدنا ذات مساء رئيس السلطة التي من المفترض أنها تمثل الفلسطينيين وهو يستجدي ترامب تحت قبة مجلس الأمن الدولي لكي يمن عليه ببعض الفتات مما يسمى بحل الدولتين وحدود العام 67.

الموقف العربي الرسمي الذي من المفترض أنه يكون الأكثر دفاعًا عن الحق الفلسطيني، لم يكن هو الآخر أفضل حالًا وها نحن نشاهد اليوم الأنظمة العربية تهرول نحو التطبيع العلني، بل تعتمد سردية إعلامية مفادها أن القضية الفلسطينية قضية خاسرة، وأن إسرائيل موجودة بحكم الأمر الواقع، وبالتالي لم يعد من الفائدة الحديث عن أي تحرير أو مقاومة. في عودة على الموقف الأذربيجاني حيال قضية إقليم كاراباخ، يجب التنويه إلى أن شدة وصلابة هذا الموقف لم تكن من فراغ، وإنما لمعرفة حكام أذربيجان جيدًا بأن هناك حليفًا يمكن الوثوق به وقت الحاجة، وأن هذا الأخير لن يخذلهم أو يقصر في دعمهم، وهو ما سوف ينقلنا إلى المعطى الثاني الجد مهم لتحقيق النصر في أي حرب.

اختر حليفك جيدًا

في غالب الأحيان، يتوقف مصير الحرب التي تخوضها أي دولة (خاصة إن كانت دولة صغرى) على خيار من قررت التحالف معه ومد اليد إليه في سبيل تحقيق غاية معينة. تحالف الفرنسيين والبريطانيين مع الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى والثانية لعب دورًا مهمًّا وحاسمًا في قلب مسار الحرب إلى صالحهما وخروجهما منتصرتين ضد الإمبراطورية الألمانية في الحرب الأولى وألمانيا النازية في الحرب الثانية. في المقابل، كان خيار الديكتاتور الإيطالي، بينيتو موسوليني، في المضي قدمًا في التحالف مع ألمانيا النازية الهتلرية بالرغم من كل المغريات التي قدمت له لإثنائه عن ذلك، هو ما أدى إلى سقوطه المدوي ومقتله صحبة الفهرر.

في عالمنا العربي، لدينا حكومة في اليمن اختارت في سنة 2015 مد اليد إلى أشقائها العرب طلبًا للدعم في تصديها لتمرد جماعة الحوثي وإعادة بسط نفوذها على أراضي البلاد كاملة تحقيقًا لغاية مشتركة، ألا وهي منع سقوط البلاد في قبضة النفوذ الإيراني وضرب شبه الجزيرة العربية من خاصرتها الجنوبية. إلا وأنه بسبب الحسابات الإستراتيجية الخاطئة، غرقت البلاد في حرب أهلية لا نهاية لها منذ أكثر من خمس سنوات، وها هي اليوم تعيش مأساة إنسانية هي الأسوأ عالميًّا في القرن 21.

بالإضافة إلى ذلك، عوض إعادة العاصمة صنعاء إلى سلطتها والقضاء على التمرد الحوثي، وجدت حكومة عبد ربه منصور هادي نفسها في صراع عدمي عبثي مع خصم محلي جديد هو المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا. نعم، الإمارات التي دخلت الحرب في يوم ما على أساس أنها داعم وحليف لحكومة هادي وعضو في التحالف العربي لإعادة الشرعية، كشفت بعد عامين من تدخلها في اليمن عن أجندات سياسية وعسكرية مغايرة تمامًا لتلك التي رفعها هذا التحالف إبان تأسيسه، وقد وصل الأمر إلى قصف الطائرات الإماراتية قوات حكومة هادي التي من المفروض أنها تدخلت نصرة لها ضد عدو مشترك.

في حالة أذربيجان، وبحكم الروابط القومية والثقافية والتاريخية التي جمعتها بتركيا، كان خيار باكو هو التعويل على دعم أنقرة في مواجهتها الطويلة مع أرمينيا. خلال السنوات الماضية أثبتت تركيا لأذربيجان أنها حليف يمكن التعويل عليه حيث كانت صوتًا مساندًا لها في كل المحافل، ولم تتردد في تقديم كافة أنواع الدعم العسكري إليها سواء الاستشارية، أو التدريبية، أو اللوجيستية، أو الاستخباراتية، أو التسليحية بما في ذلك تزويد الجيش الأذربيجاني بأحدث المعدات والتكنولوجيات العسكرية (مثل طائرات بيرقدار) التي أنتجتها الشركات التركية.

قبل الآذريين، لم تخذل أنقرة القبارصة الأتراك عندما كانوا على وشك أن يتعرضوا لمذابح واسعة على يد الميلشيات اليونانية المتطرفة التي اخترقت الحرس الوطني القبرصي وانقلبت على الحكم في منتصف يوليو 1974. من أجل الحيلولة دون ذلك، لم تتردد تركيا في خوض الحرب في صيف ذلك العام، وهي حرب دفعت ثمنها عزلة من قبل الغرب، لكن قطفت ثمارها على المدى المتوسط والبعيد حين نجحت في تحويل القبارصة الأتراك إلى أهم حليف لها في المنطقة، وها نحن اليوم نشاهد كيف نجحت تركيا في استثمار تلك العلاقة فيما يتعلق بالصراع حول الغاز في شرق المتوسط.

إن كان هناك من عبر يمكن استخلاصها في هذا الشأن، فهي إن قررت في يوم خوض أي صراع عسكري، لا تتحالف إلا مع ذلك الذي تتقاسم معه قيم وقضية مشتركة، تحالف مع ذلك الذي لن يتردد في تقديم كافة أنواع الدعم لك، تحالف مع ذلك الذي لن يخدعك أو يطعنك في الظهر، تحالف مع ذلك الذي لن يعتبرك عبئًا ثقيلًا عليه، تحالف مع ذلك الذي لن ينظر إلى دعمه لك بوصفه منة بل تحقيقًا لغاية إستراتيجية وجيوسياسية واحدة.

وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ

هذه الآية وبالرغم من أنها نزلت منذ ما يزيد على 14 قرنًا، فإنها ما زالت صالحة لكل زمان ومكان وعلى الأغلب ستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. فكلما خطط الإنسان لخوض الحرب، هو يقوم عمليًّا بتطبيق هذه الآية، وذلك لأن مرحلة الإعداد والتجهيز يجب أن تسبق دائمًا مرحلة التنفيذ، خاصة إن كانت الدولة في حالة هجوم، مع العلم أن الأولى قد تكون أهم بكثير من الثانية، فعدة هزائم عبر التاريخ كان سببها عدم الاستعداد الجيد للحرب، وليس فقط الأداء في ساحة القتال، لكن لإن كان البعض يرى أن الإعداد ينحصر في البعد العسكري (التسلح، تدريب الجنود، التصنيع الحربي…)، فإن هذا المصطلح قد يتوسع ليشمل أبعادًا أخرى منها اكتساب القدارت الاقتصادية التي تمكن الدولة من خوض الحرب، وأيضًا التمكن من القدرات التكنولوجية التي تضمن التفوق على قوات العدو.

إذا ما أمعنا النظر في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، سوف نجد هذه الأبعاد تتجسد كالآتي:

على مستوى القدرات الاقتصادية، يبدو الفارق بين البلدين كبيرًا، وذلك بفضل الثروات الطاقية (من نفط وغاز) التي تتمتع بها أذربيجان في بحر قزوين. بلغة الأرقام والإحصائيات الرسمية، حسب البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الأذربيجاني (تعادل القوة الشرائية) في سنة 2019 أكثر من 150 مليار دولار في حين أن نظيره الأرمني لم يتجاوز 43 مليار دولار. الفارق يبدو أكبر إذا ما تحدثنا عن نسب الفقر والبطالة في الدولتين، حيث بلغت نسبة الفقر في أذربيجان سنة 2019، 5% بينما ترتفع هذه النسبة في أرمينيا إلى قرابة 25% وذلك حسب البنك الآسيوي للتنمية. أما فيما يخص نسبة البطالة، فهي تترواح في حدود 5% في أذربيجان بينما ترتفع إلى أكثر من 16% في أرمينيا، وذلك وفق تقديرات سنة 2020.

بفضل مداخيلها من النفط الذي يصدر عبر ثلاثة أنابيب رئيسية، قامت أذربيجان بتأسيس صندوق ثروة سيادي سنة 1999، وهو صندوق تقدر أصوله اليوم بأكثر من 42 مليار دولار حسب مؤسسة صناديق الثروة السيادية، ومن المتوقع أن تتدعم تصديرات أذربيجان من الطاقة إثر اكتمال خط ممر الغاز الجنوبي الذي سوف ينقل الغاز الآذري من حقل شاه دينيز في بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية الجنوبية (اليونان، ألبانيا، إيطاليا…).

إذا ما انتقلنا إلى الحديث عن القدرات التكنولوجية، الهوة التقنية بين الجيشين المتحاربين كانت واضحة وجلية لكل من تابع مجريات الحرب، حيث شاهدنا طائرات الدرون الآذرية وهي تصطاد مدرعات ودبابات الجيش الأرميني كالفئران في حين أن هذا الأخير كان يحارب بمعدات عسكرية سوفيتية خارجة عن العصر، ولم تنفعه تحصيناته وخنادقه في شيء، وقد قدرت قيمة المعدات التي تم تدميرها من قبل الطيران الأذربيجاني بأكثر من مليار دولار حسب الرئيس إلهام علييف، في حين أن مصادر أخرى تقدر خسائر أرمينيا العسكرية بمليارات الدولارات.

وهذا ما يعيدنا مرة أخرى إلى دور الحليف، فبفضل التكنولوجيات العسكرية التي زودت بها تركيا الجيش الأذربيجاني خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى التنسيق العملياتي وتبادل المعلومات بين البلدين، كان التفوق التكنولوجي من أهم العوامل التي ساهمت في تحقيق هذا النصر ومكنت أذربيجان من حسم الصراع بشكل نهائي وسريع.

مثلما ترون، النصر لا يصنع بين عشية وضحاها بل هو مسار من البناء والتجهيز المادي والتحضير المعنوي الذي قد يحتاج إلى سنوات وسنوات قبل إعلان لحظة الحرب. في آخر المطاف، المهم ليس كم بقيت أرضك محتلة من قبل عدوك، بل المهم هو عدم التخلي عن الهدف البعيد والاستسلام لحقيقة أن الأرض قد ضاعت، أو أن حربًا ما وجب أن تكون آخر حروبنا مع هاته الدولة أو تلك، فما اتفاقيات السلام أو وقف إطلاق النار إلا تحضير لجولة جديدة من الحرب، هذا هو المنطق الذي نحن اليوم بحاجة إليه في تعاملنا مع أعدائنا، وهكذا يجب أن نتعاطى مع قضايانا وأولها القضية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد