منذ اللحظة التي انتهت فيها فعاليات الجلسة الختامية للمؤتمر العالمي لتجديد الفكر الإسلامي الذي يستضيفه الأزهر، عجت وسائل التواصل الاجتماعي بالرسائل التي تشيد بتعقيب الدكتور الطيب – حفظه الله – شيخ الأزهر على كلمة الدكتور الخشت رئيس جامعة القاهرة والتي نفس فيها عن الحسرة المكنونه في صدره وصدور الكثيرين من المسلمين حول العالم نتيجة للوضع المزري للأمة على كل الأصعدة اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا وتعليميًّا وثقافيًّا حتى لم يعد لهذه الأمة وصفًا أبلغ من أنها صارت شبحًا مموسخًا ومسخًا مُشبحًا.

والسؤال الذي أطرحه بعد متابعة الكلمة والتعقيب عليها وردود الفعل: هل كان للدكتور الطيب قصب السبق في بيان هذا الخلل؟ هل ما قاله وأفصح عنه كلامًا جديدًا لم يقله غيره حتى يستحق كل هذا الزخم؟ بالطبع لا، فما قاله الإمام ليس إلا ترديدًا وتكرارًا لما لهجت به حناجر حتى انبحت، وتكلمت به ألسن حتى اهترأت، وخطت به أقلام حتى نفد حبرها، قاله الشيخ الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا منذ أكثر من قرن، وقاله مشايخ الأزهر شلتوت وجاد الحق، وقاله من علماء الأزهر محمد الغزالي والقرضاوي، وقاله من غيرهم محمد عمارة ومصطفى محمود…والقائمة تطول، والمحصلة للأسف صفر. فما زاد طيننا إلا بِلة، وما زادت أطرافنا إلا انتقاصًا.

قد يسيء البعض فهمي لسوء فهمه لما خطت يدي هنا ظنًا منه أنني لم أسعد بما قاله الشيخ الطيب، أو أنني من الخبثاء الذين يقولون حقًا يُراد به باطلًا، أو أنني ممن يبحث عن شهرة بمخالفة ما يقول به القوم -على طريقة «خالف تُعرف»- من بني جلدتي وأقصد بهم الأزهريين الأفاضل.

يعلم الله عزوجل أنني لست واحدًا من هؤلاء الذين ذكرت، وأنني سعدت بكلام الشيخ، ليس لطرافته وإنما لأن الحق الضائع لا يزال له صوت قوي، وأن الأزهر أيضًا قد صار له رأي صلب وجبهة قوية تستطيع من خلالهما رد سهام الباطل وكشف زيفه وزيغه على الرغم من شراسته وضراوته وكثرة مصادر دعمه.

ما أود الإشارة إليه هنا بعد سردي السابق هو أن: التغيير الحقيقي لا ينقصه الكلام ولا التنظير فما أكثره وما أطول مدة طرحه، وإنما ينقصه آلية تنفيذ وتطبيق أعرف مدى صعوبة الحصول عليها، وإلا فكلامي هنا هو أيضًا من قبيل التنظير النظري الذي لا أملك غيره.

ومن نافلة القول أن امرأة دانماركية التقيتها في مؤتمر لحوار الأديان في لبنان قالت ردًا على سؤالي لها عن أكثر ما لفت انتباها وأثار استغرابها من أحوال العرب والمسلمين بعد أن عاشرتهم لسنوات خلال عملها منسقة حوارات من هذا القبيل، قالت لي وبالحرف الواحد: أكثر ما لمسته فيكم أيها العرب والمسلمون، أنكم تكثرون الكلام وينعدم فيكم الفعل، كلكم تكثرون الكلام بلا فعل، حكامكم، علماؤكم، منظروكم….الخ. صُدمت بالرد ولكنني أومأت مشيرًا لاتفاقي معها.

الأمر الثاني: أننا ولفرط يأسنا نتعلق وننبهر بأي كلام يعبر عنا وينفس عن كمائن قلوبنا ونفوسنا حتى وإن فقد هذا الكلام مضمونه العملي المؤثر.

ثالثا: وهو تأسيس على ما ذكرته ثانيًا، أننا تركنا الرأس وأمسكنا بالذيل، فبدلًا من البحث الجاد عن شق قنوات يجري فيها هذا الماء العذب، انشغلنا بالإشادة والتأكد من إثخان من نظنه خصمًا- وقد يكون كذلك – بالكلام المختار من أمثال: «نسف الجبهة» و«قصف الناصية» وغيرها.

لا أعتقد أن شيخ الأزهر عندما قال ما قاله، أراد لمثل هذا أن يحدث، وإنما هى رسائل إنذار من رجل يرى قرب نهايته ونهاية عالمنا وأمتنا وذهاب ريحنا بالكلية.

ارفعوا مستوى وعيكم ووعي الآخرين، بتعليم الجاهل وتبيين الحق للضال بعيدًا عن مثل هذه المساجلات التي تحتوي على كل شيء إلا الوعي والعلم.
والله من وراء القصد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد