الأزهر الشريف منارة العلم والعلا، الذي كان وما زال معطاء العلوم الوسطية التي تنير العالم كله بنور سماحتها ويسرها ومسايرتها لحياة الإنسان.

وقد أخرج الأزهر الشريف من بين جناحيه (العلم والمعرفة) رجالًا يدافعون عن كل صحيح ويردون على كل قبيح، رجال لهم إسهامات في خدمة الأمة، رجال لهم باع في محاربة الظلمة الفسدة حتى ولو بسهام الكلمات والقلم.

لمحة عن الدكتور

ولد الدكتور رضا الدقيقي عام 1967، ويقيم حاليًا في طنطا بمحافظة الغربية المصرية.

حصل على درجة العالمية «الدكتوراه» في أصول الدين من كل من: قسم العقيدة والفلسفة كلية أصول الدين جامعة الأزهر بطنطا، وقسم الدراسات العربية بكلية الفلسفة بجامعة جورج آوجست بجوتنجن بألمانيا «مرتبة الشرف الأولى».

يعمل مدرسًا بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر بطنطا، ومدرسًا للدراسات الإسلامية بالجامعة المصرية للثقافة الإسلامية بكازاخستان، ومدير مركز البحث العلمي بالجامعة ذاتها، ومدير مركز الثقافة والتعليم المفتوح بالجامعة ذاتها.

كتب كثيرًا من الأبحاث والكتب التي زادت المكتبة الإسلامية علمًا وفقهُا، ومما كتبه:

  1. في الفلسفة اليونانية.. شخصيات وأفكار» مقرر دراسي في كلية أصول الدين بطنطا من عام 2004-2017.

  2. التعصب انحراف عن الإسلام وليس التزامًا به. بحث محكم ألقي في المؤتمر الدولي: الأزهر في مواجهة التطرف والإرهاب، ونشر بكتاب المؤتمر ديسمبر (كانون الأول) 2014.

  3. العقيدة الإسلامية والأخلاق (بالاشتراك) مقرر دراسي معتمد من جامعة الأزهر على طلاب الفرقة الأولى من الكليات العملية بها 2018.

  4. كتاب تاريخ القرآن للمستشرق الألماني «تيودور نولدكه» ترجمة وقراءة نقدية. دار النوادر الكويت ودمشق2011: ثلاثة أجزاء ترجمت إلى اللغة الإنجليزية.

كتابه في الرد على نولدكه

يرد الدكتور رضا الدقيقي في كتابه الماتع (تاريخ القرآن للمستشرق الألماني «تيودور نولدكه» ترجمة وقراءة نقدية) على نولدكه ردًا رصينًا على ما ادعاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الدكتور الدقيقي في الجزء الثاني من كتابه: يفهم من كلام «نولدكه» أن النبي كان يقصد بخلوته تحصيل النبوة؛ وهذا في الحقيقة رأي بعض المستشرقين، حيث يدعي «وليم موير» أن خلوة النبي قضاها «مفكرًا في مصير قومه، ومشككًا في عبادتهم وفي التعاليم اليهودية والنصرانية التي لم ترض شعوره الديني…».

والحق أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يقصد بخلوته القصيرة تحصيل النبوة؛ لأننا نلاحظ أن النبي طبقًا لحديث عائشة (حُبِّب إليه الخلاء)؛ مما يعطي دلالة على عدم كونه فعلًا مقصودًا مارسه النبي بهدف تحصيل النبوة؛ وإنما كان تقديرًا وعناية من الله يهيئانه لأن ينزل عليه جبريل في إحدي هذه الخلوات. ولم تأت رواية واحدة عن واحد من المؤمنين أنه كان ينتظر هذا الوحي أو يعمل له.

ولو كان النبي – صلى الله عليه وسلم – قاصدًا الإعداد؛ لما فوجئ بالطارئ الجديد الذي أدخل عليه الروع.. حتى قال: «لقد خشيت على نفسي».. لأن النفس المرتقبة لشيء الباحثة عن كمال الاستعداد لقدومه لا تخشاه حين يحدث.

الذب عن رسول الله

يرد على من قالوا: هناك من يزعم أن دعوة الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان هدفها الزعامة، ولم يكن بها أي جانب إصلاحي؟

فيقول: نبوته صلى الله عليه وسلم ثابتة من خلال تلك النقلة الكبرى التي أحدثتها دعوته – صلى الله عليه وسلم – لقومه حيث نقلهم من الظلمات والجهالة إلى النور والعلم؛ فقد «ادعى النبوة بين أظهر قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم، وجاءهم بالكتاب المبين والحكمة الباهرة، فأزال ما كانوا فيه من الجهالات ورذائل الصفات، ونشر فيهم العلوم والمعارف، وتمم لهم مكارم الأخلاق، وأكمل قواهم العلمية والعملية، وأظهر الله دينه على بقية الأديان. ولا معنى للنبوة والرسالة إلا ذلك». وإذا أردنا تفصيل ما تتمثل فيه هذه النقلة الكبرى فإنا نجد أن محمدًا ابن مجتمع القبيلة جاءها بأفكار في غاية التقدم لا يمكن أن يُتصور أنها ذات جذور قبلية منها:

– إعلانه الأخوة الإيمانية مع الأصل الإنسانى الواحد: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»، «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

– نهيه عن التفرق؛ فالمسلمون جماعة واحدة، لا يجوز أن تنقسم، ورابطهم الأخوة في الله، وهم في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

– إعلانه أن اختلاف الدين لا يمنع التعامل بالبر والعدل: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، وأن العدل لازم حتى مع من نكرههم بسبب ظلمهم وعدوانهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» وحتى مع الذين «قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» جاء الوحى بالتعامل معهم بالوفاء والتقوى «… بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ».

كل هذه القيم لا يمكن أن يتصور أنها نابعة من القبيلة أو البيئة العربية.

– تنظيمه لمجتمع لم يكن يعرف قبله شيئًا عن أسس التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وكان واقعه مترعًا بالربا، والاحتكار، والاستغلال، والتسلط، والقهر، والظلم.. فوضع قواعد عامة في نظام الحكم، وفرض شريعة في العلاقات، الاجتماعية، والاقتصادية، وقضى في عهده على الربا والاحتكار والاستغلال، وحقق توازن الثروة كي لا تكون دولة بين الأغنياء وحدهم، وأطّر مبادئ التكافل الاجتماعي التي لم تعرفها الأمم الأخرى إلا بعد ذلك بمئات السنين.

ويرد على من قالوا: إن الحرب كانت الأساس في حياته – صلى الله عليه وسلم – والسلم استثناء؟

فيقول: النبى صلى الله عليه وسلم جعل حالة السلم هي الأصل، وحالة الحرب هى الاستثناء، وكان بيانه أن الحرب الشرعية لا تقوم إلا من أجل درء العدوان: «وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ».

– وإلزامه المسلمين بقبول السلم إن جنح له الأعداء بحق: «وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ».

– فرضه احترام العهود مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة: «وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِى أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ به…».

– منعه مهاجمة العدو المعاهَد الناقضِ عهدَه معنا إلا بعد إعلانه بإلغاء العهد: «وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين».

إسهاماته في بيان قدرة الإسلام على القيادة

سار الدكتور رضا في حياته مؤمنًا بالإسلام وقدرته على تلبية احتياجات الناس أجمعين على مر العصور باختلافها، ويكمن السر في هذا أن الإسلام هو دين الله عز وجل الذي أنزله لعباده رحمة وتيسيرًا «يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا».

فيما يتعلق بنظام الحكم

من ناحية الشكل، ذهب الدكتور الدقيقي إلى أن الله – عز وجل – لم يلزم المسلمين بشكل معين للدولة، فنظام الخلافة، والأنظمة الملكية، والأميرية، والسلطانية والرئاسية والبرلمانية كلها في نظر الإسلام سواء، إذا ما حققت مقاصد الشريعة. وتسمية رأس الدولة رئيسًا أو ملكًا، أو خليفة.. كلها أمور شكلية، يختار الناس ما يصلح لهم دون فرض أو إجبار.

أما من ناحية اختيار الحاكم ومدة ولايته، فقد ترك الاختيار للأمة في ذلك حسب رؤيتها لما يصلحها ويتماشى مع حالها.

أما فيما يتعلق بالدستور، فقد ذهب الدكتور الدقيقي إلى أن الدستور ليس نصوص وحي مقدس؛ وإنما هو مجموعة من المبادئ العامة، يرتضيها المجتمع بهدف تنظيم العلاقات بين سلطات الدولة، وبين هذه السلطات من جانب والشعب من جانب آخر، وبين الدولة وغيرها.

وليس في هذا مشكلة شرعية ما دامت مبادئ الدستور العامة ليس فيها ما يخالف الشريعة.. ويمكن الاسترشاد بفعل النبي – صلى الله عليه وسلم – في بداية العهد المدني حين وضع وثيقة المدينة التي كانت بمثابة الدستور الذي ينظم العلاقة بين المهاجرين والأنصار فيما بينهم من جانب؛ وعلاقة المسلمين مع اليهود والوثنيين باعتبار الجميع مواطنين يعيشون في وطن واحد هو المدينة.. فما دام (تحقيق العدالة) هو هدف الدستور فلا ضير مع الإسلام إذ إن هدف الحكم الإسلامي هو نفسه.

قال عنه الدكتور محمود حمد زقزوق

قال الدكتور محمود حمدي زقزوق عن الدكتور الدقيقي حينما أشرف على رسالته في الدكتوراة: «إن الدقيقي باحث جاد وطموح لأبعد الحدود، مجتهد مثابر وتواق للعلم والمعرفة، وهو باحث واعد يبشر بمستقبل مرموق.. والأزهر في أشد الحاجة إلى مثل هذه النوعية من الباحثين».

قال عنه بروفيسور تيلمان ناجل مدير معهد الدراسات العربية – جامعة جوتنجن – ألمانيا

يمدح البروفيسور تليمان الدكتور رضا الدقيقي فيقول: «الدقيقي في كثير من لقاءاتي العلمية التي بدا واضحًا لي من خلالها معرفته بالعربية القديمة، وكثرة علمه بفروع التخصصات الإسلامية الكثيرة، وإنه من هذا الجانب أفضل عالم عربي شاب باحث التقيت به حتى الآن. إني لعلى يقين أنه سيشق طريقًا طيبًا في وطنه، وأنه سينشط في المجال الأكاديمي بنجاح عظيم».

من أقواله

  1. «الحكم بكفر غير الموحد وغير المؤمن بمحمد وكل الرسل صلوات الله عليهم موضوع مختلف تماما عن الحكم على كافر باسمه أنه في النار، فقولك: من لا يؤمن بالله والأنبياء كافر هو قول مطابق للاعتقاد الواجب، أما قولك: إن مايكل هذا الذي مات سيدخل النار هو قول غير صحيح، ولم يكلفك الله أن تعتقده، فنحن لا نشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا ما ورد في وحي قرآن أو سنة».

  1. «جهل الظالم بقدرة خالقه؛ وظنه أن المظلوم وحيد؛ مما يغري الظالم. دون أن يعي أنه محل استدراج الله وإملائه. قال تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين)».

  1. «الفوضويون والجهلاء وأصحاب التدين المغشوش والمستهترون سيتسببون حتمًا في إلحاق الضرر بهم وبالآخرين. بمنطق السنة النبوية يجب الأخذ على أيديهم ومنعهم من خرق السفينة».

  1. «مما نجح فيه اليهود عبر مؤسساتهم أن يوظفوا غيرهم – بغير وعي منهم – لتحقيق أهداف يهودية خالصة. لكن وراء ذلك تخطيط إستراتيجي مسبوق بدراسة واقع وتحليل بيئي واسع وصبر على التنفيذ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد