يضع رأسهُ في الرمالِ من يُنكر التغيراتِ الخطيرةِ التي طرأت على سلوكيات وأخلاقيات الشعب المصري خلال السنوات القليلة الماضية. لقد اندثرت الكثير من الأخلاقيات التي تربيت عليها أنا وجيلي – أوائل الثمانينيات- والأجيال السابقة، وربما أجيال قليلة لاحقة، من احترام الكبير وتوقيره، فقد كانت تحيط به هالة من القدسيةِ التي يستحيل كسرها أو حتى مجرد الاقتراب منها، بعدما رأينا اجتراءً غير مسبوقٍ عليه وصل في كثيرٍ من الأحيان إلى حد التطاول والإهانة. أصبحنا نسمع مؤخرًا الكثير من حوادث تعدي الأبناء على آبائهم، وتطاول الطلاب على مدرسيهم، لدرجة أن تلك النوعية من الأخبار أصبحت عاديةً ومستساغةً على مسامعنا، وهي الحالة التي وصلت بنا في كثيرٍ من الأحيان إلى نوعٍ من بلادة الحس وعدم القدرة على فهم وتفسير الأسباب والمسببات التي آلت بنا إلى هذا الحال المتردي من انحدارٍ في الأخلاقيات والسلوكيات.

يمكن أيضًا إسقاطُ ما سبق على ما نراه من تطاولٍ دائمٍ ومستمرٍ على علماء ورموز ومؤسسات كانت تحيط بها نفس الهالة من القدسية، والتي أصبحت مستباحةً بشكلٍ غير مسبوق. يمكن أن نعزو هذا الانحدار الأخلاقي للكثير من الأسباب التي منها ظهور الموجة الأخيرة من الأفلام والأغاني الشاذة والهابطة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي يصعب السيطرة عليها، ومراقبة ما تبثه من أفكار هدامة «والتي يمكن اعتبارها إحدى أدوات العولمة التي أدت إلى وجود أجيال شابة مشوهة لا هي غربية ولا هي شرقية»، رغم ما بها من الكثير من الإيجابيات التي دائمًا ما نغض الطرف عنها، وأخيرًا وليس آخرًا ضعف أو انعدام دور الأسرة والمدرسة.

دعوني أتحدث هنا عن الهجمة التي تطال الأزهر ورموزه من وقتٍ لآخر، والتي وصلت لأوجها في الفترة الأخيرة، بما يشبه الهجمة المنظمة التي تهدف لهز كيان الأزهرِ، والتأثيرِ في مصداقيته لدى العامةِ ممن يتملكهم حبٌّ فطريٌّ لهذه المؤسسة العريقة، والتي يمتد تأثيرها في كل بيتٍ مصري، بل يمكن القول إن تأثيرها يمتد لقارات العالم الست. لست هنا في موضع الدفاع عن الأزهر، فلم ولن يكون الأزهر يومًا متهمًا، رغم كثرةِ ما يصوبُ نحوهُ من سهامٍ تستهدفُ النيلَ منه قيمةً وقامةً، إلا أن الواجب يفرض علينا توضيح الحقائقِ التي ربما تكون غائبةً، أو لنقل مغيبةً، عن الكثيرين، فلكل هؤلاء المتربصين والمغرضين أقول:

أين كنتم حين تصدر الأزهر المشهد مدافعًا عن حق الشعب المصري في تحديد مصيره، وانتزاع حقه من بين أنياب الأنظمة الظالمة، مدافعًا بكل ما أوتي من قوة عن وطنه، واضعًا الأسس والمعالم التي حددت الطريق للخروج من كل الأزمات التي هددته، وكادت تعصف به في أصعب الأوقات، والتي من أبرزها قيادته جموع الشعب المصري للوقوف في وجه الحملة الفرنسية، مرورًا بتصدره المشهد خلال أحداث ثورة 1919، ثم دور علمائه المهم في حرب أكتوبر، والذي تمثل في النزول مع الجنود لساحة القتال وتثبيتهم معنويًّا، وأخيرًا – وليس آخرًا- تبنيه لمطالب وآمال الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو؟

أين كنتم حين وقف شيخ الأزهر كالشوكة في حلق نظام حاول فرض كلمته على كل مؤسسات الدولة وتغيير هويتها في عز أوجه ونفوذه، ومواقفه في ذلك معروفة ومشهودة؟

أين أنتم الآن من الحرب ضد الإرهاب، والتي يتصدرها الأزهر ببسالةٍ وجسارةٍ مشهرًا كل ما لديه من أسلحةٍ – فكرية وثقافية- في وجه جماعات أساءت للإسلام وما به من سماحة ووسطية، وهم الآن منها على النقيض؟

أين كنتم؟ وأين كنتم؟  وأين كنتم ؟ ولو أردنا أن نعدد مواقف الأزهر المشرفة على مدار التاريخ فلن تسعنا مئات الصفحات، فلتتأدبوا ولتقفوا احترامًا للأزهر ورموزه، ولتتواضعوا في حضورِ واحدةٍ من أعظمِ وأعرقِ المؤسسات، ليس في مصر فقط، بل في العالم أجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد