ليست المرة الأولى التي يُمنع فيها من الكتابة والظهور على وسائل الإعلام! إنه الكاتب المسرحي السعودي، محمد السحيمي، الذي صرح في مداخلة تلفزيونية مع قناة MBC أن صوت الأذان في مكبرات الصوت يرعب الأطفال ويثير الذعر في نفوس المصلين. ولأن من نطق في غير فنه أتى بالعجائب؛ فقد ربط السحيمي بين المساجد المنتشرة في المملكة العربية السعودية وبين مسجد الضرار، على طريقة قول القائل: كل فرارٍ جبن، وكلُّ جبنٍ مصنوعٌ من اللبن؛ إذًا كلُّ فرارٍ مصنوعٌ من اللبن!

لم يدر بخلد السحيمي أن مسجد الضرار بناه المنافقون ليحاربوا الإسلام في سترٍ من عيون المسلمين، وأن أبا عامرٍ الراهب قد أوعز للمنافقين أن يبنوا هذا المسجد ليكون مركزًا تنطلق منه دعوتهم الخبيثة، وهذا يختلف جملةً وتفصيلًا عما ذهب إليه السحيمي في تصريحه. وفي بضع دقائق تمخض الجبل فولد فأرًا؛ فإذا بالسحيمي يتحدث عن سُلطة الميكروفون، وعن مسجدٍ لكلِّ مواطن، فضلًا عن إزعاج النائمين بأصوات المؤذنين إلى غيرها من التصريحات التي تُضْحِكُ رباتِ البيوتِ الحِدادِ البواكيا.

تقرأ في كلمات السحيمي ما قرأناه قديمًا في القصة الهندية التي لخصت الوضع المتأزم في كثيرٍ من البلدان، ومفادها أن رجلًا صالحًا ترك لأبنائه الثلاثة تركةً عظيمة، وكانت في التركة بطيخةٌ كبيرة تروق الناظرين. أصرَّ الأول أن يُبقي على البطيخة كما هي لأنها من رائحة أبيه، ورأى الثالث أن الزمان قد أفسدها وفاحت من العفونة ولا بديل عن التخلص منها في التوِّ واللحظة، أما أوسطهما وكان عاقلًا فقد أشار عليهما أن يأخذوا بذورها ليعمِّروا بها الأرض ويحافظوا على تركة أبيهم بطريقة حكيمة.

الحرب بين الأصولية والعلمانية قائمة، وبعض الدول التي بدأت العلمانية فيها تأخذ مساحة أوسع ترى إقصاء الدين أمرًا لا مناص منه؛ فمن هؤلاء من كتب: أتعرفون لماذا أحببت علمانية العتيبة كثيرًا؟ ومن هؤلاء من أثبت لخادم الحرمين الشريفين صفاتٍ نبوية وربانية! ليس معنى أنك حانق على تصرفات رجالات الدين، أن يمتد حقدك ليطال الدين بجملته ورمته، وفي ذلك ما يذكرنا بقول الغابرين: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

إن الجمود الذي يعتري البعض ممثلًا في الاحتفاظ بالبطيخة بعد تغير حالها، والتشبث بإبقائها على ما هي عليه مع تغير الظروف المحيطة يتساوى في الحكم مع من ينادون بسحق البطيخة ونسفها لأنها لا تناسب العصر، ويمعنون في تحقيرها والتخلص من كل ما يذكرهم بها. الاعتدال والوسطية في تناول الأمور أفضل من الشطط والمغالاة في الإقبال على أو الإحجام عن كل ما حولنا، ولا فضيلة كالاعتدال.

الصراع بين اليمين واليسار لا خير فيه لأحد؛ فالسحيمي يتحدث بلسان أقصى اليسار والأذان عنده يدخل الرعب في قلوب الأطفال! الرعب لا يدخل قلوب أطفال اليمن من الغارات التي تُشَّن عليهم، وإنما يدخل الرعب قلوب أطفال المملكة العربية السعودية من مآذن المساجد! كم أنت مرهف الحس والوجدان يا السحيمي! فإن سجل التاريخ لحميد بن ثور الهلالي أروع قصيدة في الشعر العربي قيلت في بكاء الحمام؛ فإنك قد انفردت بالتعاطف مع قلوب الأطفال والمصلين ضد سُلطة الميكروفون وإرهاب أصوات الأذان. وهل تحمل أجندة هؤلاء ما ينضوي تحت لواء تجديد الخطاب الديني أم أنهم يجملون أجندة محق الخطاب الديني؟ الأذان الذي لا يستغرق دقيقةً واحدة يصيب الأطفال – من منظور هؤلاء – بالهلع والرعب؛ فكيف يكون وقعُ خطب الجمع والعيدين على أسماع هؤلاء وأطفالهم المزعومين؟

إن الانسلاخ من ربقة الدين موضة رائجة وموجة هائجة، لكنها في الوقت ذاته تجارةٌ كاسدة؛ فالله مُتِمُّ نورِهِ ولو كره السحيمي ومن على شاكلته. سبق أن سُجن السحيمي عام 2005 حين اتهمه زملاؤه العمل بقوله: صلى الله على نزار، وأنه كان يُبيحُ الزنا واللواط، ثم صدر عنه عفوٌ ملكي بعد أسبوعين قضاهما في السجن. اشتهر السحيمي بصدامه المتواصل مع المؤسسات الدينية، ليكون أحدثها السخرية من أصوات المساجد!

التيار الفكري الذي يريد التحرر من الدين شيئًا فشيئًا يقتفي أثر من بنوا مسجد الضرار، ثم هؤلاء أنفسهم يتهمون الناس بغير ما اكتسبوا، وإن شئت فقل: يتهمون الناس على طريقة: رمتني بدائِها وانسلت؛ ليصبح الأذان مزعجًا والدين رجعية وقيدًا، والانحلال من أواصر الدين تحررًا وتقدمًا ونباهة فكر واستقامة أمر.

الرعب إن دبَّ في أوصال الأطفال من صوت الأذان يمكننا فهمه لو صدر من تل أبيب، لكنه صدر من رجلٍ من جلدتنا ويتحدثُ بلساننا. حين ضيَّقت الكنيسة الخناق في أوروبا هجر الناس الكنيسة، والأمر مختلف في الإسلام ومع ذلك تجد مناهضي التيارات الأصولية ينزعون للتبرؤ من الدين، بينما الفضيلة وسطٌ بين رذيلتين. الجرأة على الدين تأتي من كلِّ من هبَّ ودبَّ، وهي إشارةٌ لغربة الدين؛ فطوبى للغرباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد