لم تكن تلك الأفكار التي جَرَثَم بها البعث ومؤسّسات النظام عقول السوريين إثر انقلاب «8 مارس (آذار)» فقاعاتٍ من صابون ستنفجر متلاشيةً ما إن تلامسها أنفاس ثورةٍ أخرى، بل على العكس قد أثبت الفكر البعثيّ متانة أركانه ومناعة جسده من خلال تغلغله في أذهان المتسلّقين والمنتفعين من السوريّين ليجعلهم روبوتات يسلكون البعثيّة في بعض مؤسّسات الثورة، بل وحتّى في أدقّ تفاصيل حياتهم.

لم يمارس ولربّما لم يعرف السوريّون قبل ثورة 2011 عمل منظّمات المجتمع المدنيّ إلا مَنْ عمِل في كنف منظّمات النظام، ولأن الافتقاد قد أثبت ضرورة الإيجاد، فقد تشكّل خلال الثورة فقط في تركيا حوالي 1040 منظمة متنوعة توزعت تحت تسميات مختلفة «منظمة – مبادرة –اتحاد – مجلس –حركة …» رافعةً شعارات التطوّع لتخفيف آلام المستضعفين والتنمية الفكرية وغيرها من اللافتات البراقة، ثمّ جاءت رياح المصالح وأسقطت ما خفي من الأقنعة، حيث دأبت بعض المنظمات على تسليع الحالة الإنسانية ونشر ثقافة الاستهلاك النهم وجعله سلعةً لطلب التمويل، وإنّ ما نراه اليوم من النجاح الشكلي لعمل بعض منظمات المجتمع المدني السوري وتصديها للعمل الانساني على أنه عمل أخلاقي يحمل في طياته القيم النبيلة، إنما هو نفاقٌ فاقعٌ يكسوه لبوس الإنسانية وتحتضنه تقية المنفعة، حيث ينتعل أرباب المنظماتِ العملَ الانسانيَّ ويخفون دوافعهم الحقيقية بين توجّهِ سياسي أو منفعةٍ مالية ذاتية، فيضاربون بأسهم الباطل في بورصة الحق.

وبذات الجينات التي غرسها النظام في عقول السوريين عادت جيوش الفساد تبحث عن مكانها لتنخر في جسد الضعفاء وتلتهم ما بقي من كرامتهم، عادت من أبواب الإنسانية وتحت مظلة القيم والأخلاق، فلسان حال أرباب المنظمات يصدح مناديًا «مصالحنا هي المتغير المستقل في علاقتنا مع الثورة السورية، أما الأخلاق فهي المتغيّر التابع» هذه هي القاعدة التي يستظل بها جلّهم إلّا من رحم ربي، وما رحم ربّي إلا المتّقين، فهناك في وطني يموت الناس جوعًا وقهرًا وخوفًا لينعم بعض أرباب المنظمات وأقاربهم بحفلات الشواء على رائحة الدماء، تأتي المجازر وتأتي معها الاستجابات الإنسانية والمنح لإغاثة المنكوبين والمهجرين فيسيل لعاب أرباب المنظمات على رائحة الدماء المراقة على جوانب الكرامة والانسانية لتكون القربان الذي يقدمه شريكهم نظام الأسد، وترتفع أعداد القتلى لتكافئ في تصاعدها الهرمي المال المنهوب من كرامة وحق المهجّرين.

إن طعنات الحراب المسمومة بيد صنّاع الكرامة المكذوبة والمهتوكة تحت مظلة العمل الإنساني تحوّل عين الرضا الكليلة عن كل عيبٍ إلى عينٍ ناقلة لسخط الناس ناقدةٍ للفساد ترى بعين البصيرة الجزء المفقود، وفي هذا لا يسعى هذا المقال لإبراز الثغرات بهدف التشويه والتنكيل بل إنه ليخلع نعلَيّ التحامل ويطأ موطئ الموضوعية في وصف ما يمليه المشهد العام ضمن قواعده السينمائية الإنسانية المصوّرة وقوانينه النصّيّة بقراءات تحليلية، حيث عملت المنظمات كالمغنطيس الجاذب لحبات البؤس والحاجة لتنتعلها ثم تحيط أعناقها بتعاويذ الإنسانية وتمائم الأخلاق وطقوس العمل الإنساني، فتلقي سحرها الأسود على تلك الضحية التي لا تستطيع فك طلاسم وطقوس سحر لا تقدر ولا ترغب الفئات المستفيدة [مصطلح يستخدم لمن يتلقى المساعدة الإنسانية من المنظمات] على فكها، فكيف لمسحورٍ أن يطلب الخلاص من علة تجلب له استمرار العيش، ولقد باتت الإنسانية في فكر وسلوك بعض المنظمات السورية لها تاريخ صلاحية ممهورة بالصورة التي يلتقطها القسم الإعلامي المختص في المنظمة ليوثق بها صلاح الأعمال على دفاتر المانحين بغية قبول مشروع صالح آخر.

كانت المنظمات متّكأ ظهر المقهورين وحزنهم، كانت الكف التي تكفف دمعة اليتيم، كانت صدى الآه التي أتعبت حناجرهم، أضحت المنظمات مقبرة للإنسانية، وصارت أنفاس المقهورين مخنوقة بالفساد المنبعث من جيوب أرباب المنظمات، كان الأمل بمنظمات المجتمع المدني أن تحميهم وتحويهم من سياط الجلاد، وما زال المستضعفون يترنحون بين البوق الناعق بنبل الأخلاق ومطرقة الأمل المسجى على عتبات خيانة الإنسانية وخلود الفساد.

كان الناس يخدعون بالأمل، ويخدرون بنبل الاخلاق ومازال الفساد خالدًا، ثم يتنطح أصحاب القبعات من لابسي الاحتساب ممن يرفعون سيوفهم أمام الفساد ويحاضرون بالأخلاق بل ويدافعون عن تلك المنظمات الفاسدة بعينها ليزداد رصيدهم في البنوك كهدية عن تغطية الحقائق، ويكبر الورم وتزداد الخلايا السرطانية الممتدة على جنبات الإنسانية .

ومن ناحية أخرى نجد أن بيئة عمل تلك المنظمات إنما هي أشبه بمؤسسات البعث السوري ففيها تشيع حالات الانغلاق والتنافر وتكثر العقد وتتحول القطيعة إلى وسيلة تعاطٍ وإلى دين ومذهب مقدس لدى بعض التابعين تجاه أصحاب الفكر المستقل، بل وتجاه من يختلف معها، ويتحول أدنى مستوى من الاختلاف بين أعضاء هيئتها العامة أو مجلس إدارتها المنتفع إلى انشقاق جديد وعقد جديدة تنقسم فيها المنظمة مرات ومرات بطريقة انشطارية بل تكاد أن تكون انفجارية ناهيك عن ممارسات الفساد المرتبط بالتزوير، ومن الإجحاف بالقول أن تلك المنظمات لا توجد فيها هيكليات إدارية بل وعلى العكس هناك هيكليات مبنية على أساس مصلحي نفعي متبادل ينطلق من الإتيان بأنصاف الشهادات وأشباه الكفاءات والتي يكون بعضهم من أهل القرابات والمصاهرة ثم وضعهم على هرم التشكيل الإداري ليتحولوا إلى أبواق بعثية تنبح بالتخوين والعمالة وقد تنتهي بالتكفير وإباحية القتل لمن يعادي تلك المصالح أو ذاك الأب الروحي للفساد.

ألم تعلم تلك المنظمات التي تطفلت على العمل الإنساني كيف كان شكل الكرامة قبلها؟

ألم تعلم كم هتك موظفوها من كراماتٍ لرجالٍ ونساء بل وأطفال أثناء تقديم المساعدة الموصوفة بالإنسانية، ثم تشير بوقاحة المنافق «أي المنظمات» إنها تقوم بتدريب موظفيها على معايير العمل الإنساني؟

كيف يمكن لنا أن نطلب من هذا الموظف شبه الأمّي الذي يُمارَس عليه الانتهاك الأخلاقي والقيمي والإنساني حين يُسرَق منه نصف راتبه ليعود إلى صندوق المنظمة بتطبيق معايير الأخلاق؟

كيف يمكن لتلك المنظمات أن تطرق باب الشفافية وقد رقعّت بكارتها بالتزوير؟

كيف يمكن لتلك المنظمات أن تحاكي الاحتراف بإبعاد روح المؤسسات عن ميدانها وقد تحولت إلى مزارع يرعى بها أقرباء وأصدقاء أصحاب السلطة بأنصاف كفاءات متصدرين لمواقع المسؤولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد