شهدت ساحات المسجد الأقصى المبارك في الأيام الأخيرة حلقة من حلقات الصراع الطويل المرير، بين من يدافع عن أرضه وعرضه، وبين من يريد سرقة التاريخ والجغرافيا وحتى الأمل من قلوب البشر.

عنوان هذه المعركة وميدان احتدامها هو منطقة باب الرحمة، وقبل أن ألج إلى الموضوع الحالي أحب أن أوطئ بملاحظات في غاية الأهمية والمنهجية.

أولًا: أن الذي نعنيه بالمسجد الأقصى المبارك، هو تلك المساحة المسوّرة ذات الشكل شبه المنحرف والتي تتربع على مساحة قدرها 144 ألف متر مربع، يزيّنها أكثر من مائتي مَعلم من المعالم المختلفة الأشكال والأعمار والاستعمالات، وللمسجد الأقصى 15 بابًا من جهاته الأربع، من بينها عشرة مفتوحة وخمسة مغلقة، ومن بين هذه الأخيرة باب الرحمة.

ثانيًا: منطقة باب الرحمة تقع في الجهة الشرقية للمسجد الأقصى المبارك، وهي منطقة منخفضة عن مستوى الساحات المعروف، حيث يُنزل إليها عن طريق سلالم، تحتوي المنطقة على مُصلّى ومكاتب تابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، كما نجد الباب المذكور وهو مُغلق من عهد الفتح الصلاحي، أغلقه صلاح الدين لأسباب عسكرية وتجارية، يُعدّ باب الرحمة بابًا مشتركًا بين المسجد الأقصى ومدينة القدس القديمة، إذ نجد خلف ذلك الباب المقبرة الأثرية «مقبرة باب الرحمة» التي ضمت رفات عدد لا يُحصى من المجاهدين والصالحين والتابعين، وفي مقدمتهم صحابيين جليلين هما (شداد بن أوس) و(عبادة بن الصامت) رضي الله عنهما.

ثالثًا: ما حدث في هذه الأيام ليس أول الانتهاكات في هذه المنطقة المباركة، إذ سبق وأن كانت منطقة باب الرحمة هي المحطة المقصودة من الزيارة المشؤومة التي قام بها (شارون) في 28 سبتمبر 2000 والتي اندلعت على إثرها انتفاضة ثانية، وبعدها بثلاث سنوات أي في سنة 2003 قام جنود الاحتلال بإغلاق مُصلّى ومكاتب باب الرحمة بشكل نهائي في وجه المصلين والمعتكفين والعاملين، بل وصل الأمر قبل سنتين تقريبًا إلى تنصيب نقطة مراقبة صهيونية في تلك المنطقة مقابل نقطة المراقبة التابعة للأوقاف الأردنية، من جهة أخرى تُعدّ هذه المنطقة محطة انتهاك يومية، إذ يحرص الصهاينة الوافدون على المسجد الأقصى المبارك على الوقوف في تلك المنطقة المعزولة نسبيًا عن أعين الحراس والاختباء خلف أشجار الزيتون الكثيفة، ليقوموا بصلوات تلمودية مقابل مسجد قبة الصخرة الذي ُيعّد أقدس مكان في الهيكل المفترض.

رابعًا: سبب هذا التدنيس وهذه الانتهاكات هي تلك الاعتقادات الخرافية التي يعتقدها الصهاينة والتي تقول أن باب الرحمة هو الباب الرئيسي لهيكلهم الثاني المزعوم، وأنه الباب الذي سيدخل منه مُخلّصهم بعد أن يتم هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه، ومن أجل تجسيد خطوة على طريق السيطرة الكامل، سطر الاستراتيجيون الصهاينة مشروعًا منذ أكثر من عشرين سنة لتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا، إذ يكون التقسيم الزماني بتقسيم أوقات الدخول بين المسلمين والصهاينة، والتقسيم المكاني باقتطاع جزء من ساحات المسجد الأقصى وبناء كنيس يهودي عليه، ولن يكون ذاك الجزء إلا منطقتنا هذه محلّ الكلام والتحليل، وهذا اقتداء بما أحرزوه في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل.

وإن كانوا قد نجحوا نسبيًا في تقسيمهم الأول عن طريق عدة إجراءات وعلى مدار عدة سنوات، فإن تقسيمهم الثاني لا يزال محل رفض قاطع من جمهور المقدسيين عبر عدة محطات، بدأت بالانتفاضة الثانية ومرت بهّبة باب الأسباط منتصف سنة 2017، واختتمت بهبّة باب الرحمة قبل أسبوعين.

حيث كان أهم حدث صباح 17 فبراير (شباط) 2019 أن وضع الصهاينة قفلًا حديديًا على باب حديدي صغير يفصل ساحات المسجد الأقصى عن السلالم المؤدية إلى منطقة باب الرحمة، فما كان من عدد من الشباب المقدسيين إلا أن أزالوا القفل مع الباب، واندلعت بذلك صراعات بين أهل مدينة القدس وبين جنود الاحتلال تمثلت في إبعاد عدد من المرابطين ومسؤولي الأوقاف وحراس المسجد الأقصى والدخول في اشتباكات جسدية أسفرت عن سقوط جرحى ومصابين، وكل هذا لم يفتّ في عضد المقدسيين واستمروا في نضالهم وحققوا ما كانوا يصبون إليه، وانتصروا نصرهم الباهر بعمارة تلك المنطقة محل النظر، والتخطيط الصهيوني؛ بل وتم فتح مُصلّى باب الرحمة لأول مرة بعد 16 سنة من الغلق، وإقامة الصلوات الخمس في حماه بداية من يوم 22 فبراير 2019.

كل هذه المقدمات والنتائج تتركنا نستخلص عددًا من الخلاصات الجوهرية:

أولًا: أراد الاحتلال تسجيل هدف جديد في مرمى السيادة على المسجد الأقصى، فما كان إلا أن باء مشروعه التقسيمي كاملًا بالخسارة والاندحار.

ثانيًا: الضعف المتناهي لهذا الاحتلال الذي ما قوّاه إلا ترهلنا وانقسامنا -وإن لم يكن كذلك- كيف لدولة تدّعي القوة اللامتناهية ألا تسيطر على عاصمتها، ولا تفرض قوتها على أقدس مقدساتها الدينية والسياسية؟

ثالثًا: الضغط الجماهيري والردع الشعبي هما أداة صناعة الفارق في هذه المواجهات المصيرية مع كيان مغتصب لا يعرف إلا لغة القوة وأسلوب الحزم وتعامل النديّة الشرس.

رابعًا: على القيادات والجهات الوصية إداريًا أن تكون في مستوى تطلعات الجماهير ومواكبة لموجاتها التحررية، لأن التخلف في مثل هذه المفاصل الحساسة يؤدي إلى الدهس الأبدي لا محالة.

خامسًا: هبّة باب الرحمة هي انكسار من انكسارات كثيرة مُنِي بها الاحتلال في الفترة الأخيرة على عدة أصعدة ومجالات، وهذا ما يفتح باب الأمل واسعًا في أن هذا السرطان العفن والخنجر المسموم المغروس في خاصرة أمتنا، شمسه إلى أفول وقوته إلى ذبول والقادم لا يُبشر إلا بخير لنا، وقد أتت البشرى من ألسنتهم إذ نشر أحد أهم أعضاء الجماعات المتطرفة على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي إثر هبّة النصر هذه العبارة «جبل المعبد ليس بأيدينا» والحمد لله أولًا وآخرًا والمجد للردع المقدسي ذي الوعي الدقيق والهمة الوقّادة والإنجازات الميدانية المباركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد