المادة ٤٠٩ إنموذجًا

في العام 2016 نشر أحدهم منشورًا إخباريًّا، جاء فيه خبر عن أحد البصريين، وهو قد قتل أخته، تحت مسمى غسل العار. كانوا قد مسكوه والتقطوا له صورة أمام الجثة وهو يلوح بإصبعيه مكونًا علامة النصر .

إن هذا الخبر وحده لا يهز المشاعر على كل حال؛ فهو خبر عادي بالنسبة إلى كثير من الجرائم من هذا الطراز والتي تقع في هذا البلد.

لكن ما يهز المشاعر هي التعليقات التي كان بعضها هكذا: عاشت إيدك، أبو الغيرة، أنت بطل! هذا زماط – نخوة – لأصلك!

ربما قد يستغرب القارئ، فإن جريمة الجاني لا تقل بشاعة عن تلك التعليقات، وهي تعني أن لمثل هكذا جرائم حاضنة فكرية واجتماعية تؤيدها.

يذكر في العام 2007 في قصة مشهورة، أنه كانت هناك بنت أيزيدية عشقت شابًا مسلمًا في الموصل، وقد حلمت أن تسلم حتى تتزوج بحبيبها. من سوء الحظ أن أهل قرية الإيزيدية هذه سمعوا بخطة إسلامها، وتم رجمها بواسطة الحجارة وسط جمع كبير من الناس.

في حينها استغل تنظيم القاعدة ذلك ونفذ عدة هجمات في المدينة، أو ما عرف بمجازر الموصل عام 2007.

إن جرائم الشرف أو غسل العار تكون منتشرة في الغالب في مناطق قبلية يسود فيها حكم العشيرة. وبالطبع أتحدث هنا عن العراق.

وتشير الإحصائيات إلى كثرة هذه الجرائم، خاصة في كوردستان العراق. ويقال إن هناك أكثر من 500 حالة سنويًّا تسجل في الإقليم، كما أن بعض الإحصائيات تشير إلى تسجيل مثل هكذا حالات في كل يوم في مستشفيات أربيل.

وهذا الأمر يرجع إلى مسببات كثيرة لسنا في طور دراستها، لكن منها ضعف السلطات في هذه المناطق. ففي رؤوس الجبال تضعف سلطة الدولة أمام سلطات العشائر، وهذا معروف في تلك المناطق. وقد حدثني صديق تركماني في كركوك أنهم في حال وصف انفلات أمني في حادث ما، يقولون بلهجتهم: داغ باش بوريسي؟ ويعني؛ هل هنا رأس الجبل؟ إشارة منهم لضعف سلطة القانون أمام هذه المنطقة.

إن قضية غسل العار هي قضية مشهورة عند بعض عشائر الجنوب العراقي كذلك، فكما تجدها متفشية في الشمال، تلاحظها في الجنوب والغرب أيضًا، ولو بقلة؛ لأن سلطة الأمن في الجنوب تكون قوية مقارنة بالشمال لأسباب جغرافية، على الرغم من عدم انصياع بعض العشائر العربية في الجنوب للأمن. فهي إذن مشكلة لا تختص فيها منطقة عراقية، ولا عربية، فكما نجدها في العراق نجدها في البرازيل.

إننا لا نبرئ العشائر العربية في الغرب والجنوب، فمعظم العشائر في الجنوب والغرب هي عشائر متمردة على السلطات، ويكون تمردها تمردًا طفيفًا متراجعًا أو جبانًا، إذا صح التعبير، بسبب طبيعة جغرافيا هذه المنطقة السهلية، التي تتيح لسلطة الأمن أن تراقب هذه المناطق عن طريق نشر النجدات باستمرار، ونلاحظ ضعف السلطات في الأهوار ذات التربة الطينية الهشة، التي تمنع انتشار النجدة هناك، وخاصة في فصل الشتاء، حيث يتجمع الماء. إضافة إلى أن بعض عشائر الجنوب الشيعية منصاعة لأوامر المرجعية الشيعية التي تأمرهم بالرضوخ للدولة.

بالعكس من مناطق الشمال الوعرة التي ينصاع البعض من عشائرها إلى الدولة عن طريق التثقيف لا الخضوع لسلطة السلاح، وهذا من عجز السلطات هناك، حيث إنها لا تستطيع السيطرة بشكل تام هناك، فتلجأ إلى نشر الثقافة الوطنية واحترام أجهزة الدولة والقانون. وعلى كل حال فإن العراقيين بشكل عام لا يميلون إلى التنظيم الزائد عن اللزوم، فهم يفضلون القبيلة غالبًا على الدولة. أي إنهم لا سلطويون فطريًّا.

حاول البعض من علماء الاجتماع القانوني تفسير انتشار هذه الجريمة قائلًا: إنها تنتشر بين المسلمين فقط. وهذا الرأي جاء من بعض الحانقين على الإسلام بطبيعة الحال.

إن معظم هذه القضايا تجدها تنتشر مع انتشار النظم القبلية، والقليل تجدها منتشرة في المدينة، ومن الجدير بالذكر أن مسببات الحالات التي في القبيلة تختلف عن مسببات الحالات التي في المدينة.

تلاحظ أن ضحايا قضايا غسل العار في القبيلة هن الأخوات والعمات والخالات، في الغالب بدافع تنضيف سمعة القبيلة، أما ضحايا هذه الجرائم في المدينة هم الحبيبات أو الزوجات اللاتي ضبطن من قبل أزواجهن بجرائم خيانة، ورحن بدافع الانتقام.

ذكرنا في بداية حديثنا أن هنالك حاضنة فكرية لمثل هكذا جرائم في العراق، وهذا يعني أن على الدولة أن تلاحق هذه الأفكار البدائية، وألا تكتفي بردع مثل هكذا جرائم. وإنما تلاحقها ملاحقة فكرية، عن طريق نشر التوعية الثقافية بين الناس وشيوع ظاهرة الحضارة أو المدنية.

وللأسف ليس هناك ردع حقيقي لهذه الجرائم في هذا البلد، بل هنالك غطاء قانوني لها!

لاحظ المادة 409 مثلًا، كيف أنها تجعلك تحجر على نفسك في مصح نفسي.

نصت المادة 409 في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969:

يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو أحد محارمه في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال، أو قتل أحدهما، أو اعتدى عليهما، أو على أحدهما اعتداء أفضى إلى الموت أو إلى عاهة مستديمة.
ولا يجوز استعمال حق الدفاع الشرعي ضد من يستفيد من هذا العذر، ولا تطبق ضده أحكام الظروف المشددة.

فيما عدا تلك الحالة فيحكم الجاني وفق المادة 406 وهي الإعدام. لأن فعلته تدرج وفق قضايا القتل العمد. أما في حالة كون الضحية أحد محارمه وهي تنتهك أمامه ثم قتلها أو قتل شريكها، فيحكم بالحبس مدة ثلاث سنوات! فهنا يخرج لك الكثير من المحللين والمدافعين للمادة 409، وهم يحللون تحليلات ما أنزل الله بها من سلطان.

إني أستغرب من بعض المحللين وهم يبررون للمادة 409 بقولهم إن فعلة الجاني هنا من منطلق الاندفاع العاطفي أو النفسي، وهو مسامح وعقوبة الثلاث سنوات مناسبة، ولا يستحق أن يعاقب بالإعدام أو المؤبد وأن يحرم من حياته. فهو قد رأى منظرًا رهيبًا، وهو انتهاك محارمه أمامه، وهذا ما دفعه للقتل.

وهذا تحليل لا يخلو من غباوة طبعًا. فجرائم القتل هي باقية تحت مسمى جرائم القتل، على اختلاف إن كانت اندفاعية مفاجئة، أو أنها كانت مع سبق الإصرار والترصد، فهي تبقى جنحة شنيعة، ولا يجب الاستهانة بها، ويجب ألا يتم الانتقاص منها تحت أي ظرف كان؛ لأن الجاني مجرم هنا على اختلاف ما كانت عليه نوع الضحية.

نعم، ممكن أن تخفف العقوبة وتصل إلى حد المؤبد في هذه الحالة والحالات التي من طرازها، وتلك هي العقوبة الأرجح على أي حال، لكن هذا لا يعني أن يعاقب الجاني الذي قتل إنسانًا بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات! أين الإنسانية من هذا؟ هذه ليست إنسانية، بل هي مثل تعامل مترف مغرور مع كادح فقير في باب الشرقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد