تعويذة باب زويلة، عن الحق والضلال، وهذه اللعبة التي تعجبك في بداية الأمر، ثم تكسر قلبك في نهايته.

ماذا يحدث لنا إذا مزجنا الخيال بالواقع؟ الإجابات متعددة، ولكن في رأيي أنا فإن إحدى تلك الإجابات هي أن نكتب روايات جميلة.

ينطبق الأمر علی رواية «تعويذة باب زويلة» للكاتب المصري فتحي محمد.

حينما نمزج القاهرة القديمة بالجديدة، واللهجة العامية بالفصحی في حواراتنا؛ فهذا يعني أنك قرأت تلك التعويذة. الرواية تتحدث عن يوسف، شاب بائس تجذبه قوة ما لإيجاد كتاب يحتوي علی تعويذة تنقله من 2011 إلی 900 ميلادية، ومن حسن حظه أن يقابل الجميلة إيرينا بنت عنان، الفتاة اليتيمة التي تود الرحيل من قريتها لبراح القاهرة.

قرأت تلك الرواية قبل نشرها، وكنت ضمن القلائل أصحاب الحظ الذين قرأوها قبل نشرها لثقة الكاتب بي.

الرواية تجربة جميلة كتبها فتحي محمد بمكونات بسيطة ومعقدة. وفيما يلي نورد مقادير هذه الوصفة.

«الحياة ليست مجانية أبدًا، الحياة ليست اليانصيب، عليك دائمًا أن تدفع؛ كي تحصل علی أي شيء، حسنًا. هو لم يطلب الحصول علی كل هذا لكي يطالبه أحد بالدفع، ولكن خبرته الصغيرة في الحياة علمته أن لا شيء مجاني علی الإطلاق».

بين الخيال والواقع

الرواية مصنفة راوية فانتازيا تاريخية، قليل من كل شيء، مع سرد بلغة رصينة وبسيطة وحوار بالعامية في منتصف الفصل الأول، ثم بالفصحی طوال الأحداث. تجد الرواية تجذبك من يدك برفق، وتجعلك لا ترغب في تركها، وفي الغالب إذا صادفك الملل مع أولى الصفحات فإنك ستلوم نفسك علی هذا بشدة؛ لأن ما بعد تلك المقدمة العادية جدًّا يظهر لك فتحي محمد، الراوي العليم الذي يوضح لك ما يختلط عليك، ثم يبدأ يوسف، بطل الرواية، بإمساك مقاليد الحكي والسرد بتفاصيل جذابة، ترجع بك إلی شكل القاهرة منذ أكثر من ألف عام.

المهدي المُخلّص

الإيمان يتعلق بعدم إدراك الكثير من الأشياء بالعقل، عليك أن تؤمن بالغيب؛ لذلك إذا أخبرك كتابك المقدس أو تناقل أي شخص أسطورة ما حول شخص ما سيأتي وينجدنا من الظلم؛ فإن نفوسنا ستظل ملتهبة شوقًا له.

في حياتنا ننتظر دومًا من ينصر الحق علی الباطل، لذلك نحب نوعية الأفلام والكتب التي تقول هذا؛ لأنها تغذي إيماننا بتلك الحقيقة. وكل شعب وكل طائفة دينية تنتظر المخلص من الجور والفساد والظلم. لذلك حينما يأتيك رجل لا يشيخ ولا يكبر ليطبق الحق، ويزهد في الحكم، ويقتل اللصوص، ويطبق الحدود، فلن يتحمل جهازك العصبي كل هذا، وربما تجد نفسك ساجدًا أمامه مقدمًا فروض الطاعة.

«عليكم أن تعوا الدرس جيدًا، من لم يتوسل لنا حتی نسرقه، ونهتك عرضه، ونستبيح ماله وأولاده، سيحدث فيه هذا. سيعلق علی الصليب، سيقطر الدماء حتی يفرغ، سيأكل الذباب منه ما يشتهي، سيصير مشهدًا يرعب الأطفال في أحلامهم، ويقتل أحلام الكبار في عقولهم»

الرواية هي العمل الثالث للكاتب، بعد إصدار 2017 باسم «شبح الثائر»، والتي تندرج تحت أدب المدينة الفاسدة (ديستوبيا)، وعمل مشترك في 2018 بعنوان «مضيق باب الشمس»، وهو مجموعة خواطر.

وتأتي «تعويذة باب زويلة» لتتوج فتحي محمد بلقب كاتب صاحب مشروع أدبي يبرز مع السنين، بخطواته القليلة الواثقة، وأفكاره الجديدة غير المعلبة الممزوجة غالبًا بالتاريخ والحكايات، مما يجعل فتحي محمد صاحب وصفة سحرية بسيطة ومعقدة، تجعلك تمسك أي عمل يحمل اسمه وأنت واثق أنك أمام فيضان مشاعر جارف، ما بين الغضب والحب والبكاء والفلسفة.

وأخيرًا، لو أن الواقع ثقيل عليك أبحر بسفينتك إلی الخيال بالقراءة، فهذه رحلة مدفوعة الأجر من الذين يكتبون فنًّا جميلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد