اليوم ظهرت النتائج وعرفوا جميعا نتيجة ما بذلوه من جهد، ذلك الجهد الذي بذله البعض وهم يسهرون الليالي ليراجعوا دروسهم، في حين كان سهر الكثيرين للبحث عن أكثر وسائل التكنولوجيا فعالية في الغش؛ ليبذلوا بعد ذلك الجهد الأكبر في التنسيق مع ممولي الأجوبة.

ممولو الأجوبة قد يكونون صفحات فيسبوكية نذرها أصحابها لهذا العمل “النبيل” دون مقابل، إذ لا همّ لهم إلا إدخال الفرحة على قلوب التلاميذ وأمهاتهم – على حد قول أدمن إحدى تلك الصفحات -. أو قد يكونون أصحاب حسابات فيسبوكية شخصية، يكفي أن ترسل لهم رقمك ليرسلوا لك الإجابات وقت الامتحان، وهم لا يبتغون من وراء ذلك أي مصلحة أو أجر، إنما يفعلونها فقط “في سبيل الله” – على حد قول أحدهم -.

ولأن وزارة التربية الوطنية المغربية قد توعّدت من جاءت إجاباته موافقة تماما للإجابات المتداوَلة في الفيسبوك، بالصفر الموجِب للرسوب. فقد قرر بعض التلاميذ أن مستقبلهم أهم من أن يعرضوه لتلك المجازفة، فكانوا على استعداد لتأجير شخص مختص لكل مادة من مواد الامتحان، مما أفرز سوقًا خاصة بموسم امتحانات البكالوريا، قد يقارب سعر تأجير شخص موجز في المادة 100 درهم، أما تأجير أستاذ للمادة فهو أكثر تكليفا، إذ قد يصل لـ 1500 درهم.

ولأن كل ذلك التعب قد يذهب سدى بسبب حزم مراقب “وغد” – على حد رأيهم – فكثيرا ما يحتاج بعضهم لتدارك الأمر في الدورة الاستدراكية، ولضمان اجتياز هذه الأخيرة سيحتاج الطالب إلى استخراج شهادة طبية من المستشفى الإقليمي أو أحد المراكز الصحية أو من إحدى العيادات الخاصة. اِستخراج تلك الشهادة عادة يكلف ما بين 50 إلى 100 درهم. الطريف في الأمر أن تبادل المال والشهادة الطبية بين الطالب والطبيب يتم في أماكن تعجّ بلافتات كُتب عليها “وإَيّاكم من الرشوة”!

كيف تفاعلت وزارة التربية الوطنية مع هذه الظاهرة؟

أمام هذا الانتشار المهول للغش بمختلف أساليبه التقليدية والتكنولوجية سنت وزارة التربية الوطنية عقوبات ضد من يُضبط متلبسا بجريمة “الغش”، وكان مما استجد استخدامه هذا العام هي أجهزة الكشف عن وسائل الغش التكنولوجية، لكن لمعرفة المسؤولين بمدى استفحال ظاهرة الغش لتشمل قطاعا كبيرا من مترشحي البكالوريا، فقد تجنب غالبيتهم القيام بأي إجراءات عقابية في حق من ضبطوا متلبسين بتهمة الغش. والنتيجة أن تمادى مترشحو البكالوريا غير عابئين بعدد مرات ضبطهم وكأن لسان حالهم يقول “وإن عدتم عدنا”!

وحتى عند التزام المسؤولين بالقوانين الصارمة في حق من يُضبط في حالة غش، فإن ذلك لن يكون رادعا كافيا مع قدرة كثير من الطلاب على التحايل على أجهزة الكشف؛ إما بأجهزة تكنولوجية أكثر تطورا، أو ببعض الحيل الذكية التي يجهّزونها مسبقا للتعامل مع مختلف الأوضاع المتوقعة. في الحقيقة، لا يملك المرء إلا أن ينبهر وهو يستمع للتلاميذ وهم يستعرضون آخر ابتكاراتهم الشخصية في مجال الغش بشكل يدعو للتفكير “أليس عقل قادر على بلوغ هذه الدرجة من الذكاء والابتكار بقادر على الإلمام بمواد المقرر التي وإن كثرت إلا أنها أبسط من أن تُعجز أي ذي عقل”؟ لندرك أنها ليست مسألة ضعف القدرات الذهنية إنما هي معضلة “الكسل” التي تجعل الأجيال الحالية تطلب كل ما يحقق لها مكاسب بأقل جهد ممكن، حتى وإن تعلق الأمر بوسائل غير مشروعة.

لقد بات حريًّا بالدولة أن تدرك أن أكثر شيء يجيد هذا الجيل استهلاكه واستخدامه هو وسائل التكنولوجيا الحديثة؛ لذا فمهما استحدثت من وسائل ضده فإنه سيكتشف وسائل أكثر تطورا منها، والعاملون بالسوق السوداء دائما مستعدون لتلبية طلباته.

أين تكمن المشكلة إذن؟

إن مشكلة تعامل مجتمعنا مع الغش ليس فقط عدم تجريمه بل أيضا باعتباره أحد حقوقهم المستحَقة، وهو ما يجسّده تعاون الأهل وتجنُّدهم لدعم ابنهم في عملية الغش. وهو أيضا ما جسدته حادثتان متماثلتان لفتاة في العام الماضي هددت بالانتحار اعتراضا منها على حرمانها من وسيلة الغش التي ضُبطت معها. وهو نفسه ما حدث مع شاب هذه السنة هدد بدوره بالانتحار اعتراضا على حرمانه من وسيلة الغش الخاصة به!

هنا قد يحق لنا التساؤل: “هل وضعت هذه الوزارة، التي شرعت العقوبات، منظومة تربوية تعزّز فكرة أن الغش جريمة؟ هل نتوقع من طالب مغربي أن يحتسب الغش في مادة ما مع جملة أخطائه وجرائره؟ هل تتضمن من منظومة القيم والمبادئ التي تلقيناها منذ صغرنا ما يكفي لتنفيرنا من هذا السلوك؟ هل استطاعت أن تشكل لدينا ضميرا ينشط ويستيقظ عند اقترافنا لسلوك الغش في الدراسة؟ ماذا عن مدى تقبل أفراد المجتمع لسلوك الرشوة”؟

ونحن نرى أشخاصا يعتبرون أن مبادراتهم الداعمة للغش في الامتحان، عملا نبيلا، ندرك جيدا أن منظومة التعليم لا تحتاج إلى عقوبات رادعة بقدر ما تحتاج إلى إعادة هيكلة المفاهيم وأساليب زرع القيم والمبادئ والأخلاق، وترسيخها.

إن الناظر في أحوال الأسر محدودة الدخل التي اضطرها الوضع المزري للتعليم العمومي إلى تحمل التكاليف الباهظة لتسجيل أبنائها في التعليم الخصوصي، يستطيع أن يتبين حجم الأزمة التي يعاني منها قطاع التعليم في المغرب. لكن إذا أردنا إلقاء نظرة شمولية على قطاع التربية والتعليم تتجاوز المغرب إلى الوطن العربي ككل سنجد أن أبرز مشاكله تتركز في أسلوب التلقين، مما يؤدى إلى تشكيل عقول أشبه بمخازن للمعلومات بدل الاهتمام بتطوير قدرة الفرد على التفكير والتعبير والإبداع، مضافا لافتقاد المدرسين للمستوى والتكوين المناسب لمواكبة الإصلاحات التي يمكن أن تقوم بها الحكومات في القطاع، إضافة إلى عدم التوافق بين مستوى الفرد ومعدلاته وشواهده مما يوحي باستهتار في تقييم الأداء الدراسي للطلاب. ناهيك عن تردي المرافق والبنية التحتية للتعليم العمومي، وتعزيز التعليم الطبقي مما يعزز عدم تكافؤ الفرص ويعيد إنتاج البنية الطبقية القائمة وتعزيز الفوارق بين مكوناتها.

بين التربية والتعليم

مؤكد ونحن ننظر في مشاكل نظامنا التعليمي، فإننا تلقائيا نستحضر النموذج الغربي “المثالي” الذي استطاع الاستجابة لمؤشرات التقدم التي تم الاصطلاح عليها دوليا، لكننا نغفل أنه في إطار غياب مؤشرات ومعايير تتعلق بحسن الخلق ومدى حضور الوازع الأخلاقي والشعور بالمسؤوليات الأخلاقية، فإن استجابة النموذج الغربي لمؤشرات التقدم لا تجعل منه مثاليا، وربما ارتفاع معدلات الجريمة واستمرار ثقافة العنف والكراهية تعرّي مكامن النقص فيه.

إن إعطاء أولوية لعملية التعليم في مقابل تجاهل أهمية التربية، قد يؤدي إلى تحقيق تقدم علمي وتكنولوجي ومعرفي كبير في مقابل انحطاط أخلاقي متسارع. قد يكون كافيا أن نتهم النظم التعليمية القائمة حاليا فقط بالقصور في أداء دورها كمنهل للأخلاق والقيم، لكن إن نحن فكرنا في نسب هذا الانحطاط لعملية التعليم نفسها هل ستكون مبالغة من طرفنا؟

معلوم أنه من بين الإشكاليات التي تعرضنا لها بشدة في زمن الثورات، أن نرى مفكرين، كتابًا، شعراء، وحتى علماء ينزلقون بشكل لا أخلاقي في أهم قضايا الأمة الإنسانية! ويبقى دائما السؤال “كيف يحدث ذلك”؟

هنا تبرز مشكلة ربطنا البديهي الذي لا أساس له بين مدى علم الفرد ومدى استقامته، ويزداد الأمر حدة عندما يتعلق الأمر بأحد علماء الدين. جميعنا نحفظ أحاديث الرسول وحتى السلف في فضل العلماء ومكانتهم، لكن ألا تلزمنا الأحداث الجارية بضرورة إعادة النظر في مفهوم “العالِم”؟ فإن استمررنا على مفهومنا النمطي بربط لقب “العالِم” بمدى الاطلاع والمعرفة والعلم بشؤون الدين، ألن يحتم علينا ذلك وصف المستشرقين بـ”العلماء”؟!

عودةً إلى التعليم، فإن وقوفنا على نماذج لأهل العلم والمعرفة تفتقر للوازع الأخلاقي والإنساني، قد يحفزنا على تجاوز اتهام التعليم بالقصور إلى اتهامه بالتسبب في مثل هذه الحالات، إذ أن بلوغ درجات عليا في العلم والمعرفة قد يؤدي إلى شعور بالفوقية، مما يعني أن معرفة علمية في مقابل تدنٍّ في التنشئة الأخلاقية قد يُخضع الإنسان لصفات النرجسية والتسلطية، وسيُغيّب لديه مفهوم الالتزام الأخلاقي تجاه الآخر – الأدنى منه بنظره -. كما أن “الشخص المتعلم الذي لا توجه معارفه وقدراته نحو أهداف قيميّة يتخذها لنفسه، يصبح خطرا على نفسه وعلى المجتمع على حد سواء”. كل هذه النتائج السالفة الذكر بافتراض أن عملية التعليم تتم في ظروف صحية، في حين أن العنف المتفشي في مدارسنا العربية سواء اللفظي أو الجسدي عامل إضافي في تخريب شخصية الطفل وتخريج مواطنين غير أسوياء، تأتي ممارسات المدرسة ضدهم كامتداد لممارسة العنف التي تبدأ في حقهم من مؤسسة الأسرة.

ما الحل؟

لأنك لا تستطيع إطعام إلا الجائع، فإنه من الضروري عكس مسار عملية التعليم، بأن يكون خلق السؤال والنهم للمعرفة لدى المتعلم حول موضوع ما، سابقا لاطلاعه على ذاك الموضوع، ولعل استحضار تجارب من الحياة ترتبط به أقدر على إثارة اهتمام المتعلم.

كما يمكن إقناع هذا الأخير بأنه معني بعملية التعليم ككل إذا ما تم إضفاء طابع شخصي على عملية التعليم ينطلق من تفرد كل متعلم عن الآخر بدل عملية تنميط المتعلمين وقولبتهم في قوالب موحدة تقتل تميزهم، بشكل يجعل عملية التعليم كخطوط إنتاج تصنّع بضائع موحدة. وفق تقسيم العمل لمراحل متفرقة، فلا يكاد المتعلم يتلقى ما يتعلمه كمنظومة موحدة يدركها ويفهمها ويدرك أجزاءها في إطارها، بل تُعطى له المواد متفرقة ومستقلة عن بعضها البعض فلا يكون أمامه في التعامل معها إلا الحفظ السلبي أو الغش إذا ما أثقل كاهله هذا الكم الذي لا يدرك لما هو ملزم بحفظه وتخزينه.

وهذا الاعتماد الكبير على الغش في الامتحانات يؤكد أمرين؛ عجْز منظومة التعليم عن جعل العلم مطلبا في حد ذاته، إذ أن اللجوء للوسائل غير المشروعة لتحقيق النجاح يعني أنه قد تمت خندقة العلم في حيز ضيق لا يتعدى كونه وسيلة لتحقيق النجاح، حتى إذا ما توفرت وسيلة أخرى أسهل لتحقيق هذا النجاح تم استبدال تحصيله بها.

الأمر الآخر هو عجز هذه المنظومة عن الاضطلاع بدورها القيمي نتيجة التركيز الكبير على الجانب التعليمي على حساب الجانب التربوي، هذا رغم إقرارنا بأن عملية البناء القيمي ليست مسؤولية مسؤولي قطاع التعليم فقط بل هي مسؤولية تشترك فيها العديد من المؤسسات بدءًا بمؤسسة الأسرة، ثم المدرسة وصولا للمجتمع ككل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد