كنت منذ فترة أبحث عن موضوع لمقالة جديدة وبنفس الوقت تكون مشابهة لمقالاتي السابقة التي تتحدث عن شخصيات ناجحة لها قصصها الملهمة، لكن أردت هذه المرة أن تكون مختلفة بعض الشيء بحيث يكون الحديث عن شخصية عربية ملهمة كون كل المقالات السابقة كانت أبطالها شخصيات أجنبية.

وبالصدفة عندما كنت أتصفح إحدى مواقع التواصل الاجتماعية، وإذا بقصة تتحدث عن موقف حصل أثناء تقديم امتحانات البكالوريا في الجزائر لعام 1974، إذ يكتشف أحد الطلاب وجود خطأ في صياغة إحدى المعادلات في مادة الفيزياء، ليبرهن بعد ذلك صحة كلامه أمام لجنة ويتم تصحيح الخطأ ونتيجة لذلك يقابل الرئيس الجزائري هواري بومدين، ثم بعد عام يحصل على منحة في كندا لاستكمال دراسته، وفي النهاية يذكر أن هذا الطالب اسمه بشير حليمي، وهو أول من ساهم بإدخال اللغة العربية على أجهزة الكمبيوتر.

بعد قراءتي لهذه القصة تفاجأه صراحة؛ لأنني لم أكن أعرف عن بشير حليمي أي معلومة، ولم أكن أعرف عن إنجازاته أي شيء، وما كان مني إلا أن أبحث عن قصته.

فوجدت له مقابلة على قناة الجزيرة ضمن برنامج «مغتربون» يتحدث بها عن قصته عندما قدم فحص البكلوريا، ثم سفره إلى كندا وما واجهه من صعوبات كبيرة في التأقلم ليستكمل بعد ذلك الحديث عن شركائه، وبالأخص فكرة إدخال اللغة العربية إلى عالم الحواسيب.

وجدت له محاضرة ضمن «TEDx» تحت عنوان «Life is Full of Opportunities».

هذه المحاضرة كانت أوسع بالتكلم عن نفسه كونه تحدث في البدايات عندما كان في الجزائر، وكان أهم ما يميز هذا المحاضرة هو تحدثه عن المكان الذي كان يعيش فيه الذي لم يتوفر فيه أي من وسائل الحياة من ماء ولا كهرباء، ولكنه كان صريحًا، وتحدى نفسه بقوله: «هذا هو أفضل مكان للابتكار هذا هو أفضل مكان تحصل فيه على أفضل الأفكار»، وأستكمل بالحديث عن شركائه ومشاريعه.

واستكمالًا لما سردناه في البداية، فبعد حصوله على المنحة الدراسية في كندا لدراسة الإعلام الآلي في مدينة «مونتريال» عام 1975، نجح خلال ثلاث سنوات في الحصول على شهادة البكالوريوس في الحاسب من جامعة الفنون، ثم بعد ذلك حصل على الماجستير في علوم الحاسب الآلي تخصص الترميز والتشفير في نظام الاستغلال المعلوماتي.

أما قصة إدخال اللغة العربية على الكمبيوتر، فقد جاءت الفكرة لسببين، السبب الأول نتيجة شغفه باللغة العربية وحبه للكتابة والتخطيط العربي، وثانيهما، لكونه كان مسافرًا فقد كان يرسل بطاقة التهنئة إلى أهله بمناسبة الأعياد وخصوصًا كلمة «عيد سعيد»، التي كان يكتبها بيده، فخطر بباله لم لا أحاول القيام بها عن طريق الكمبيوتر؟ ومن هنا جاءت فكرة تعريب الحاسب الآلي وتأسيس مشروع «آليس للتكنولوجيا»، فقد نجح في نقل الخط العربي بكامل تفاصيله إلى الحاسب الآلي، وليس فقط إدخال اللغة العربية، وإنما إدخال لغات أخرى.

وفي يوم ما، جاءه اتصال من شركة «مايكروسوفت» نعم «مايكروسوفت»، وأبدت إعجابها بالتكنولوجيا وتبنته بالكامل ليساهم بفضله بإدخال اللغة العربية إلى الحواسيب، والتي نشهدها حاليًا وتصل بدورها إلى الملايين من المستخدمين.

ولم تتوقف طموحه هنا، بل أنه أسس شركته الجديد تحت اسم «ميديا سوفت»، والتي تختص في استخدام الاعلام الآلي في الاتصالات والربط الهاتفي، فنالت هذه التقنية ثقة الكثير من شركات العالمية، وخصوصًا شركات الاتصالات مثل شركة «فرانس تيلكوم»، وشركة «بيل كندا» وغيرهما، وقامت شركة «إنتل» العالمية بشراء بعض أسهم الشركة ليقوم فيما بعد ببيع «ميديا سوفت» إلى شركة «بيل كندا».

وبما أنه يتطلع دائمًا للأمام بما يتعلق بالتكنولوجيا فقد أسس شركته الجديدة تحت اسم «Excendia»، وكانت فكرة المشروع عبارة عن جهاز مرتبط بمساعد افتراضي مهمته إدارة برنامجك اليومي، بمعنى أنه يمكنه معرفة المكالمات، والتحدث معها، وإجراء المكالمات أيضًا، وتنظيم جدول المواعيد، ويتم ذلك عن طريق الاتصال بالجهاز الموجود، سواء بالمكتب، أو شركة، كونه يدعم خاصية الصوت.

وبعد نجاح الفكرة عمل على تطوريها أكثر ليأسس شركة «Speech mobility»، وهي عبارة عن برنامج قامت على المساعد الافتراضي لشركة «Excendia»، ثم بعد ذلك عمل على تطوريها لتصبح عبارة عن نظام هاتف تجاري، بمعنى أنه خاص بالشركات حصرًا بميزات كبيرة، كما أنه أول نظام هاتف ذكي يدعم الكلام.

وفي النهاية يعجز الكلام عن وصف بشير حليمي بسبب ما قدمه من إنجازات تكنولوجية مهمة، إضافة إلى فضله الكبير على اللغة العربية، كما أنه أعطى مثالًا يحتذى به عن الرجل العربي الناجح والمكافح، فواجب منا أن نسلط الضوء عليه أكثر، ونستفيد من خبرته، فقليل منا من يعرف من هو بشير حليمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد