يظل الحديث عن فساد الإدارة العامة محل اهتمام ومثار جدل شديدين، باعتبارها أي الإدارة العامة هي القاطرة التي تقود البلد بكاملها، وصلاح القاطرة يعني صلاح كل شيء.

ويتعاظم الاهتمام بقضية معايير اختيار المسئولين لنصل لقناعة تامة يؤمن بها الجميع ويجهر بها البعض ويتوارى منها آخرون خجلًا أن المشكلة الرئيسية بمصر لا تتعلق بنظام سياسي بعينه بقدر تعلقها بفساد الإدارة العامة وسوء الاختيار.

وانخفاض الوعي السياسي العام لدى المسئول، مدخل سهل للفساد وركن أصيل في حالة التدهور الإداري العام، وحتى فترة غير قصيرة كان المعيار الرئيسي في اختيار المسئولين والقيادات هو غياب الوعي العام وفقدان الحس السياسي بمشكلات وقضايا المجتمع.

وعندما يتولى مسئولٌ موقعًا قياديًا وهو غير مؤهل سياسيًا أو منفصل عن مجتمعه فلا يعي ما يدور حوله، كل هذا يجعل منه صيدًا سهلًا لكل من يرغب في تقلّد منصب عام.

الحديث عن معيار اختيار الوزراء والمسئولين في مصر، قديمًا سمعنا عن أحد رؤساء الوزراء والذي عمّر طويلًا في رئاسة الحكومة فترةً قاربت السنوات العشر، وكان معيار اختياره للوزراء من «شلّة لعب الطاولة» في النادي. هي روايات صادقة تناولتها الأقلام الصحفية ولاكتها الألسن في جلسات النميمة في أواخر التسعينيات وضحكنا كثيرًا من سخرية الكاريكاتير السياسي عنها، لم نستوعب وقتها دلالة الموقف.

أو أن الموقف كان دون المنطق ويقترب من العبث فلا توجد دولة في العالم تغيم فيها رؤية الاختيار فتلجأ لزملاء اللعب واللهو كما حدث، على أن المعيار هنا يأتي تطبيقًا لمنهج تأصل لدينا وبيننا عقب ثورة يوليو 1952، بالبحث عن أهل الثقة خوفًا من عودة رموز العهد الملكي أو نكاية في الكفاءات والخبرات القادرة على النقد وتملك صوتًا عليًا فكان المنهج أن أي أحد قادر على إدارة المكان وأن الخبرة والكفاءة شيء مكتسب بالمران والتدريب، لكن لا مانع أن يتدرب المسئول الجديد في المنصب العام ولا يهم وقتها أن تُهدر الموارد وأن تُستنزف الطاقات طالما كان البحث عمّن يؤازر الكبير ويعضد أفعاله وسياساته.

ونحن الشعب ولا يُستثنى أحدٌ نفتقر بحكم التربية والتعليم لمهارة القراءة المتأنية لما بين السطور أو استقراء الواقع واستشراف المستقبل، لذلك تمر علينا هذه الأمور مرور الكرام ولا نعيرها أهمية ونكتفي بالسخرية والتندر منها.

الواقعة حقيقية، لم تمثل صدمة لجمهور المثقفين أو المشتغلين بالسياسة العامة أو رجالات الدولة والحزب الحاكم وقتها (منتصف فترة حكم مبارك). بعضهم لم يرَها جريمة أو منكرًا.

آخرون تحسّروا وعضوا الأنامل من الغيظ لأنهم كانوا خارج الشلّة الموقرة لرئيس الحكومة فطارت من بين أيديهم فرص الوصول لكراسي الوزارة.

المنطق واحد ولا حياد عنه مهما تغيرت الظروف أو قامت ثورات وهبّات شعبية، فكلها أمور لا تنال من منهج الاستهبال في الاستوزار. (والاستوزار يُقصد به عملية اختيار الوزير الجديد في الحكومة).

وطالما كان هؤلاء يُجلبون من شلة الطاولة في النادي أو من دائرة المقربين والأصحاب في السفر أو العمل (أهل الثقة) فلا غرابة أن نرى وزارات وهيئات عامة كبيرة قد تهاوت على أيدي وزراء ومحافظين صغار القامة.

لذا لا تثريب أن يتطاول وزير هنا أو هناك ويرى في نفسه وطائفته أنصاف آلهة وأن وجودهم تفضل على الناس وأنه يكفي بهم أن يتقبلوا وجود العامة بينهم دون أن يكون للفقراء من العامة حق ولو مجرد الحلم في الوصول لكراسي ومناصب الخاصة من أهل الثقة، والتي استأثروا بها بالباطل. فحيثما لا معيار في الاختيار يصبح فقدان الاتجاه هو العملة الرائجة في العمل العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد