عندما كان الصراع المملوكي العثماني على سيادة العالم الإسلامي في مراحله الأخيرة، جاء موقف كل منهما إزاء الخطر الشيعي الصفوي ليكتب الفصل الأخير في ذلك الصراع ويحسمه لصالح العثمانيين. فالمماليك الذين اعترى حكمهم الضعف لأسباب عدة قرروا في تلك الفترة أن يمارسوا سياسة الغاية تبرر الوسيلة، واختاروا الوقوف موقف المتفرج أحيانًا أو التحالف غير الرسمي مع الصفويين أحيانًا أخرى من أجل إضعاف منافسيهم العثمانيين والإجهاز عليهم. أما العثمانيون فقد عدوا التشيع الصفوي ردة وهرطقات، ورأوا وجوب مواجهته وجهاده. فقام السلطان سليم الأول بمخاطبة الشاه إسماعيل الصفوي يدعوه إلى العودة إلى صحيح الدين قبل أن تدق طبول الحرب بينهما، الأمر الذي قابله الصفوي بالاستنكار والاستهزاء، مدعيًا أن ما جاء به السلطان العثماني في خطابه «إنما جاء تحت تأثير المخدر». وقد عرض العثمانيون علي المماليك – أكثر من مرة- التحالف في مواجهة الخطر الشيعي – كما سبق وتحالفوا أيام المودة بينهما لمواجهة البرتغال- إلا أن المماليك تعاموا بقصد عن جرائم الصفويين في حق الإسلام والمسلمين، ورفضوا التحالف مع العثمانيين بحجة الإصلاح، وأنهم إنما يرغبون في الصلح بين العثمانيين والصفويين وتوحيد العالم الإسلامي!

لم تنفع هذه الترهات المماليك في وقت كان فيه كل شيء على الأرض لا يسير لصالحهم؛ فالشعوب قد ضاقت ذرعًا بهم بعد أن استبدوا وتقاعسوا عن نصرة الدين وأصبحوا شيعًا. والعثمانيون أدركوا ذلك جيدًا وعرفوا مدى ضعف المماليك وتخاذلهم وعدم وضوح رؤيتهم وتلونهم بأكثر من وجه، ومن ثم كان قرار سليم الأول بمواجهة الخطر الصفوي دون تأخير، ومراقبة المماليك لاصطياد أي خطأ يقعون فيه للانقضاض عليهم. وبالفعل بدأ السلطان يعد العدة لحرب الصفويين الذين فرضوا المذهب الشيعي بالقوة، وتعدوا على حدود الدولة العثمانية، وباتت الدويلات الكردية والقبائل التركية في جبال طوروس من ممتلكاتهم، كما أنهم عاملوا بعنصرية أهل السنة في مناطق سيطرتهم في وسط آسيا والهند وأفغانستان. فكانت الحرب في جالديران 1514، إذ انتصر العثمانيون وتمكنوا من إيقاف المد الصفوي في الأناضول. «كانت جالديران بداية لصراع عثماني صفوي طويل استمر لأكثر من قرن للسيطرة على القوقاز وبلاد ما بين النهرين دجلة والفرات». بعد ذلك حول العثمانيون أنظارهم إلى المماليك وتوجهوا إلى المشرق العربي بدلًا من أوروبا في محاولة لحمايته من الصفويين الذين تقاعس المماليك عن مواجهتهم.

نستطيع أن نستدل على ذلك بما قاله سليم الأول لطومان باي بعد أن هزمه في الريدانية، فقد خاطبه قائلًا: «كنت متوجهًا إلى جهاد الرافضة والفجار (البرتغاليون)، فلما بغى أميركم الغوري وجاء بالعساكر إلى حلب، واتفق مع الرافضة واختار أن يمشي إلى مملكتي، تركت الرافضة ومشيت إليه». فالسلطان المملوكي قنصوة الغوري ارتكب الخطأ الذي تمناه العثمانيون، وحاول عرقلة تحركهم باتجاه الصفويين، وبعد انتصار العثمانيين في جالديران بدأ بتحريك جنوده تجاه حلب، فانتهز سليم الأول هذه الفرصة للإجهاز على المماليك، وكانت الحرب في مرج دابق 1516، والتي انتصر فيها سليم الأول على قنصوة الغوري ودخل بعدها دمشق بسهولة. تلتها معركة الريدانية 1517، إذ انتصر سليم الأول للمرة الثانية على المماليك. وبسقوط طومان باي آخر سلطان مملوكي في مصر سقطت الدولة المملوكية حامية الخلافة العباسية في القاهرة، فانتقلت الخلافة إلى العثمانيين لتمكث في ديارهم حتى 1924.

ظلت الدولة العثمانية لفترة كبيرة فتية قوية، وإحدى القوى العظمى في العالم التي يحسب لها ألف حساب. ولكن دوام الحال من المحال، إذ بدأ الضعف يدب في جسدها تدريجيًّا بعد وفاة السلطان سليمان القانوني. فكانت تضعف أحيانًا وتقوى أحيانًا أخرى ثم تضعف وهكذا، حتى تحول هذا الضعف إلى علة شديدة ومرض منذ منتصف القرن التاسع عشر، للدرجة التي جعلت أوروبا ترى الدولة العثمانية «رجلًا مريضًا» ينتظرون وفاته رسميًّا لاقتسام أملاكه وأراضيه.

وحقيقة الأمر أن الضعف العثماني إنما يرجع إلى ضعف السلاطين والمؤامرات المستمرة عليهم، أو فساد هؤلاء السلاطين واستبدادهم، وقبل كل شيء قعودهم عن الجهاد وإعلاء راية الدين وارتماء بعضهم في حضن أوروبا. ولعل أبرز مثال على ذلك السلطان محمود الثاني، ومن بعده ابنه عبد المجيد الأول الذي فاق والده في التفرنج والعلمنة. فقد فتح أمثال هؤلاء السلاطين العلمانيون الباب واسعًا لشر أكبر تمثل في ظهور التنظيمات الماسونية والصهيونية التي استطاعت في الأخير اختراق الدولة والقضاء على فكرة الخلافة. وكان ذلك كله نتاجًا طبيعيًا لإبعاد الدين عن الحكم والاعتقاد بأن الدولة إذا ما أخذت بأشكال الحكم الأوروبية فإنها ستكون في حال أفضل، ولكن ما حدث هو العكس؛ فقد تقدمت إلى نهايتها. ولم يكن السلطان الغازي عبد الحميد الثاني -آخر السلاطين الفعليين للدولة العثمانية- ليقدر على عرقلة كل المؤامرات التي حيكت حوله لإسقاط الدولة أو الوقوف وحده في وجه كل تلك الصعاب التي هددت كيان الدولة داخليًّا وخارجيًّا بسبب ما اقترفه سابقيه من أفعال.

سقطت الدولة العثمانية كما سقطت الدولة المملوكية. سقط المماليك بعدما استهانوا بالخطر الشيعي، وسقط العثمانيون عندما بايعوا الغرب وشجعوا الممارسات العلمانية وتهاونوا مع الصهيونية، ولكن هذه المرة سقطت معهم الخلافة واستبدلت بالدولة الإسلامية أخرى علمانية. وإذا ما أردنا تحديد الآفة الكبرى التي أدت في النهاية إلى إسقاط هاتين الدولتين إلى جانب الفساد والاستبداد، فإنها ستكون بلا شك ممارسة السياسة بعيدًا عن الدين، وتقديم السلطة والمصالح السياسية على العقيدة. فإذا كانت أركان الدولة في أي مكان هي الشعب والأرض والسلطة بأنواعها، فإن الدولة الإسلامية تختلف عن غيرها في كون صيانة الدين والشريعة ركنًا رابعًا من أركانها، والشيء الذي يميزها عن غيرها من الدول. فإذا ما تخلت الدولة الإسلامية عن هذا الركن الأصيل وأهملته، أصبحت كغيرها من الأمم ولم تملك ما يميزها عنهم، وبمرور الوقت تسقط أو تصبح دولة مسخًا، تابعة للغرب خادمة لسياساته؛ لأنها إنما أسست في الأصل لصيانة الدين والحفاظ على مصالح كافة المواطنين، كما تقتضي الشريعة التي تصون هذه المصالح بالطريقة التي أرادها رب العالمين.

فالإسلام جاء «بتغيير شامل وعالمي في البنيات الثقافية والاجتماعية والمنظومات القيمية والمرجعيات المعرفية والمنهجية والأنساق السياسية والأنظمة الحضارية».* وإن تعامينا عن أخذ ذلك في عين الاعتبار وتماهينا أو تغافلنا عن الشرور التي تأتينا من الشرق أو الغرب آملين أن نتجنب مواجهة الباطل دون أن يمسسنا الضر، أو أن نكون كغيرنا من الأمم سقطنا؛ لأن هذه الأمم إنما قامت أصلًا على ثقافات منحرفة أو مادية موهومة أساسها سرقة ثرواتنا وعقولنا واستعبادنا. وستظل سنن الله في خلقه سارية حتى قيام الساعة، فمن تقاعس عن دفع الباطل بالحق أعمل الله فيه سنة الاستبدال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط.
النظام السياسي في الإسلام.
سنن العمران البشري في السيرة النبوية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد