لطالما كنت كثير السؤال ملحًا، دائم النظر في الأمور عظيمها وحقيرها، و كنت – ولا أزال– أحاول النجاة.

سألت شيخي مرة، كيف أنجو؟ وكيف ألزم الطريق لا أحيد؟ وما أقصد بالنجاة ما قد تتوهمه من الحفاظ على شعائر الدين كالصلاة والصيام وحسب، وإنما أقصد بالنجاة أن أكون كما قال الله في ابن مريم عليه السلام: «وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» ذلك همي وتلك غايتي.

فكان جوابه – رحمه الله– وكذا جواب من سألتهم أجمعين «الزم صحبة الصالحين».

 وما عرفت قيمة نصحهم إلا أخيرًا، ذلك أنك إن صاحبت عالمًا كان جل حديثه عن العلوم قديمها وحديثها، وعن الفنون ما ارتقى منها وما ابتذل، وعن الكتب ما تعرف منها وما لا تعرف، وعن الكتّاب صادقهم وكاذبهم، وعن الأدب شعره ونثره، ولربما أهدى إليك علمًا قرأه فيما يقرأ، أو حمل إليك معنى شُرح به صدرك، فتكون بذلك كمن صاحب صيادًا ممن يغوصون بحثًا عن اللؤلؤ، فأهدى إليك كل حين لؤلؤة بغير درهم ولا دينار، فأي منفعة بعد هذه المنفعة؟

ولربما تصاحب ذا دين وتقى، يذكرك بالله، ويحثك على السير إن وهنت وضعفت، يأخد بيدك إن زللت، ويدفعك إلى الله دفعًا إن استولى عليك شيطانك، يحبك في الله لا يبتغي من ورائك نفعًا، ويرى في نجاتك نجاته معك، أفيترك عاقل حبل نجاته في بحر متلاطم الموج شديد الريح؟ فهذا حبل نجاتك فاستمسك به.

وقد تتخذ خليلًا من كانت بضاعته في العلم مجزاة، وكان في الدين على سبيل النجاة، ولكنه مع ذلك يحرص عليك حرص الأم على وليدها، شديد في لومه إن أخطأت، يسعد لنجاحك كأنه هو الذي نجح ونال مبتغاه، يفرح صادقًا، لا كأولئك الذين تبدو نواجذهم في تبسم، وهم يعضون عليك الأنامل من الغيظ!

إن قلت له يومًا إنك ستجوب الأرض طلبًا لعلم أو سعيًا وراء منفعة، لبثّ فيك من روحه ما يوطد ثقتك بنفسك، وما يسمو بروحك حتى لتكاد تشعر أن كل مشقة هينة وكل صعب يسير، وقد يشاركك فيما تبغي، ويمضي معك فيما تصبو إليه، فقد تزودت لرحلتك رفيقًا معينًا، ونعم الزاد. فهذا مصباحك في دجى الدنيا، فإياك أن تضيّعه!

فهؤلاء وأمثالهم حاملو المسك حقًّا، يهبونك من مسكهم – أنفقت في شرائه أم لم تنفق، فإن ابتعت فهو خير لك، وإن لم تفعل فحسبك أنه مسّك منهم ريح طيب، وانتعش صدرك بأريج رقيق.

وقد تتمثل في ذهنك صورة صديق السوء أنه معاقر الخمر عبد للشهوات، وأنه من يجرك إلى معصية أو يقودك إلى هلاك وحسب! هؤلاء شر الناس ولا شك، لكن المعنى أشمل واللفظ أعم.

صديق السوء لا يبدو سيئًا أغلب الوقت، كما أن كفّار قريش ما كانوا شعثًا غبرًا كثيفي الشعر كما ترسّخ في أذهاننا منذ الطفولة والصبا! يبدو ذاك الصديق كما يبدو معظم الناس! شخص عادي بكل المقاييس. لن يحمل شارة على جبينه، ولا علامة على رأسه، ولن يكون أشعث أغبر بكل تأكيد! بل ربما بدا ذلك الصديق حسن المظهر، مهندمًا وسيم الطلعة!

كل الأشياء السيئة لا تبدو سيئة على أية حال، على العكس، تبدو أكثر إبهارًا وأشد جذبًا للقلوب والأبصار من مثيلاتها الجيدة!

صديق السوء هو من تكون صحبته مضيعة لوقته ووقتك، تقضي معه يومًا أو بعض يوم، وما يُزيد في علمك ولا دينك شيئًا، بل ربما نقصا. وإن رآك – وقاك الله– على معصية ما نبهك ولا أنّبك، بل ربما شاركك فيها!

وصديق السوء لا همة له، بل شرٌ من ذلك إنك إن عرضت عليه أمرًا فيه مشقة وجهد، ولو كان فيه خيرٌ كثير، لأوهن من عزمك، وأطفأ بقوله ما اشتعل في صدرك من رغبة للفعل، ولأكثر في جدالك في أنك لا تصلح لهذا الأمر أو ذاك، فالسفر مثلًا يحتاج مالًا وأنت فقير، وطلب العلم يحتاج وقتًا وأنت مشغول، والعمل يحتاج مهارة وأنت لا تملكُها، والزواج عبء وأنت لا تزال أخضر العود صغيرًا… وهكذا، لا تنتهي حججه وأعذاره أبداً، وهو في نظر نفسه محق دومًا على صواب طوال الوقت!

وهو لا يستزيد من العلم بقراءة أو سماع، فهو لا يملك وقتًا لأن يمارس تلك «الرفاهيات» ،وحسبه ما يعلم (وهو أقل القليل!) ولو عقل لأدرك أن الله ما أنزل «اقرأ» أول ما أنزل عبثًا ولا هباءً، حاشاه عز وجل، ولكن أكثر الناس لا يعقلون!

وهو كثير الشكوى لمن أراد أن يسمع ولمن لم يرد، ولو نظر واعتبر لعلم أن الله ما خلقه لتكون حياته شقاءً متصلًا وبؤسًا مقيمًا، ولكن هو وما اختار لنفسه، ولست تملك له شيئًا. فهو يطبق – دون قصد– قول من قال «لإن لم تستطع أن تكون قدوة، فكن عبرة!».

هدانا الله وإياه إلى صراطه المستقيم، وحفظنا أن نكون منهم، فلربما كان الواحد منا يفعل ذلك دون وعي منه ولا انتباه!

وهؤلاء ومن شابههم هم نافخو الكير* حقًّا، فإنهم إن لم يجذبوك إلى حفرهم منعوك من الصعود، وإن فشلوا في هذه وتلك، مسّك منهم ريح خبيثٌ منكر. فلربما أحرقت تلك الريح أهداب روحك أو سخّم دخانها بياض قلبك، فكن منهم على حذر، وفر من لقائهم فرارك من الهلاك!

رزقنا الله وإياك حاملي المسك، وأبعد عنا نافخي الكير.

*ما المقصود بنافخ الكير؟

الكير، وهو كِير الحدّاد ونافخ الكير هو الحدّاد، الكير هو الزقّ أو الجلد غليظ ذو حافّات، وهو الذي ينفخ فيه الحدّاد، والجمع أكيار وكِيَرة، فهو إذن الزقّ الذي ينفخ فيه الحدّاد على الحديد في وقت الصهر والتشكيل، وهذا الكير يقوم بطرد الشوائب من الحديد عند النفخ، وقد يعترض الشخص الجالس عند الحدّاد الذي ينفخ الكير أن يُصيبه بعض الصُّهارة التي تحرق لهُ ثوبه أو قد تؤذيه ريح الخبث من الحديد والكير، وهذا تشبيهٌ بليغٌ من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنَّ المُجالس للرجل السيئ لا ينالهُ منهُ إلاّ الأذى، ولا يُحيطُ بهِ إلاّ ما يؤذيه ويضرُّه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد