(1)

الدكتاتوريات أصناف ودرجات متفاوتة، كما أن الديمقراطيات كذلك، هناك دكتاتوريات باطشة، لكنها ذات مكانة حقيقية عسكرية واقتصادية وحتى فنية، فالرايخ الثالث كان دكتاتورية عسكرية، لكنه كان في منتهى القوة ليس فقط عسكريًا واقتصاديًا وإنتاجيًا، بل حتى على مستوى الفن كان له إنتاجه الراقي من موسيقى وأفلام، وأخرجوا عروضًا عسكرية فنية مبهرة، وهناك دكتاتوريات هزؤة كجمهوريات الموز ودكتاتوريات أفريقيا؛ فهي فضلًا عن دكتاتوريتها وقمعها فإنها أنظمة فقيرة في كل شيء، فكرًا واقتصادًا وفنًا.

(2)

يعمد الكثير من أنصار العهد الحالي إلى مقارنة الرئيس عبد الناصر بالجنرال السيسي؛ أملًا منهم في تلميع صورة السيسي بالتمحك في زعامة كبيرة في نظر عشرات الملايين من المصريين والعرب حتى الآن، والحقيقة أنه لا وجه للشبه بين عبد الناصر والسيسي إلا في وراثة نظام السيسي لسلبيات العهد الناصري، ولكن مضاعفة عشرات الأضعاف، بينما هو خلو تمامًا من حسنات أو ومضات الفترة الناصرية، ولمن يريد أن يعرف الفارق بين عهد عبد الناصري وعهد السيسي عليه أن يرى الفارق بين نشيد (والله زمان يا سلاحي) لأم كلثوم أو (الله يا بلدنا الله على جيشك والشعب معاه) لعبد الحليم من جهة، وبين (تجعيرة) (قالوا إيه علينا) من جهة أخرى.

(3)

لقد كان النظام الناصري يخفي وجهه الاستبدادي وفشله العسكري بسواتر إعلامية وفنية براقة، فالكاريزما الناصرية كانت تتحرك معها آلة فنية راقية وعلى أعلى مستوى صوتًا وأداء وتأليفًا وتلحينًا، فكانت أم كلثوم تغني من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، وكان عبد الحليم يغني من كلمات وألحان أمثال هؤلاء، ثم جاءت سنوات الانحدار في عهد مبارك حين الهبوط المهني في كافة مجالات الحياة، ثم جاء عهد المسوخ في كافة المجالات أيضًا.

(4)

رئاسة مسخ، حكومة مسخ، يكفي أن فيها مثل وزير الخارجية ووزير الأوقاف، انتخابات مسخ ومسخرة، مجلس نيابي مسخ فيه أمثال عكاشة ومرتضى، إعلام مسخ فيه أمثال موسى والغيطي، جرائد ممسوخة حدث عنها ولا حرج، فن ممسوخ يخلو من الحرفية ويعلي قيم البلطجة، فهو عهد المسخ بامتياز.

(5)

فجأة ظهرت خاطرة في فكر أحد الضباط ليثير حماس جنود الصاعقة، فألف شيئًا ما – لا أستطيع بحال أن أسميها أنشودة أو أرجوزة – لكن هي شيء فيه من الصراخ والجعير والحزق ما فيه، وربما كان هذا يناسب أفراد الصاعقة ويثير حماسهم، أقول ربما فالحق أن الفعالية القتالية ليست بالجعير، وإلا لما انتصر المستوطنون الأوروبيون على الهنود الحمر المشهورين بصيحاتهم المرعبة، ولما انتصرت إسرائيل علينا في 1967 وكنا الأكثر (جعيرًا) والأعلى نفيرًا، لكن على كل حال قد تناسب الصاعقة، لكنها بكل حال من الأحوال تعتبر منفرة جدًا وفقيرة جدًا من الناحية الفنية، فإذا بإرادة خفية تصدر أمرًا قراقوشيًا بتعميمها على الإذاعات، ثم تصدر أمرًا آخر أعجب وأبعد عن التصديق بتعميمها على المدارس، فيبح أصوات الأطفال المساكين في ترديد هذه التجعيرة بدعوى شحذ الهمم وتخليد ذكرى الأبطال.

(6)

لقد كانت هتافات الصاعقة وصراخهم موجودا في كل عصر سبق، وبالتأكيد في عصر عبد الناصر كانت تلك الصرخات موجودة، أيام أبطال الصاعقة الحقيقيين أمثال البطل إبراهيم الرفاعي ورفاقه، ومع ذلك لم يتفتق ذهن أحدهم على تعميمها في المجتمع، لأنها كانت دكتاتوريات من صنف ارقى، تدرك الفارق بين الحياة العسكرية والمدنية خاصة في مجال الفن، فتخاطب المجتمع المدني بما يسحره ويوجهه في الوجهة التي تختارها، ولكن بمهارة، فتجعل الرجل في عمله والمرأة في عملها والطالب في مدرسته وجامعته يتجاوب ويردد دون عناء – بل في إقبال وحب – (الله يا بلدنا الله..على جيشك والشعب معاه)، أو (الله أكبر فوق كيد المعتدي)، أو حتى (إن مت يا أمي ما تبكيش)، أو (أم البطل)، ولم يفكر أحد منهم في ذلك الوقت في إذاعة صيحات الصاعقة بدلًا عن ذلك، ناهيك عن نشرها في المدارس! بل وصل الأمر إلى ترديدها في مدارس البنات!

(7)

لم يعقل هؤلاء أن لكل مقام مقال، وأن ما يصلح في معسكرات الصاعقة يقينًا لا يصلح للمدارس، وإلا فهل الخطوة القادمة محاولة إطعام الطلاب ثعابين بدعوى أن أفراد الصاعقة يدربون على أكل الثعابين، أو تعريض الطلاب لتدريبات الزحف تحت النار بدعوى أن تلك حياة الصاعقة وتدريباتهم؟!

(8)

ولقد حاول النظام من قبل إنتاج (فنه الخاص) ليضاهئ به منتج الستينات، فكانت (تسلم الأيادي)، ثم أنشودة (بشرة خير)، ولكنها خرجت في النهاية ألحانًا راقصة للتمايل والهرج أكثر منها فنًا حقيقيًا، فسرعان ما سقطت ولم يعد أحد يستعيدها إلا في مناسبات الزفة السياسية الكاذبة، وها هو يحاول محاولة أخرى في اتجاه التجييش بمثل هذه (التجعيرة).

(9)

الأمر كله دال على مدى غياب الرشد في أروقة الحكم، وإذا تركنا الهزل إلى الجد، ونحينا جانبًا البلاهة الشديدة التي أحاطت بهذا الأمر كله نجد أن أهداف النظام الحاكم في ذلك واضحة، بعد أن بينت كل المؤشرات أن الجيل الجديد يقف ضده بوضوح، وأن جيل الانفتاح على الدنيا عبر النت ومواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يقبل بمثل هذا الحكم الاستبدادي المتخلف، وأن الغالبية الساحقة من الشباب منذ ما قبل البلوغ تعرض عنه، لذلك يحاول أن يستخدم النزعات الوطنية بتطرف (شوفينية) بمثل تلك (الحركات) اعتمادًا على الحملة في سيناء ومواكبة لها، لعل وعسى أن يستطيع استقطاب شريحة من هذا الشباب إلى صفه، لكن هيهات، فالخيوط المهترئة لا يمكنها أن تشكل نسيجًا ناهيك أن تستر عورات، كذلك محاولاته الركيكة ومحاولة فرضها جبرًا لم تزد الأمر كله إلا سخرية. والمسخ لا ينتج إلا مسخًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد