تحصل في كثير من الأحيان فئة من شعب لديه قضية عادلة على حقوق معنوية، تتيح لها متنفسًا ضيقًا يماثل إلى حد كبير الحصول على مجال لتفريغ الضغوط، تزامنًا مع احتواء الآخرين المزدوج للقضية والشعب بصورة يجري تجميلها بحيث يزداد التحكم والاحتواء مع تضخيم الظاهر من تلك الحقوق.

ويقترن الحصول على ذلك مع تراكم الاختلاطات والتناقضات السياسية، والاجتماعية، والتاريخية، والدينية، والجغرافية، والديمغرافية، والمصلحية، وغيرها في عقلية ومنظور نخب ذلك الشعب وقواه، إذ يستحيل حصرها في فئة أو إطار محددين منه. ولعل تلك الاختلاطات تتيح بشكل تراكمي استخدام الحقوق المعنوية التي حصل عليها الشعب كقوة تخدمه إلى حد ما، لكنه يقترن بتحويلها من قبل الفئات المتحكمة به من الداخل والخارج، إلى قوة مضادة، قد تستخدم لتحسين ظروف تلك الفئات، وتؤدي إلى تشتت نسبي في الصورة التي تظهر عليها قضية الشعب نفسه.

ولو خصّصنا الحديث حول الممارسة الدبلوماسية في هيئات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، لبدأت الصورة تتركب أكثر، فإن كان استخدام الدول الكبرى الحق الدبلوماسي في التصويت مؤثرًا بالسلب أو الإيجاب على الآخرين بشكل واضح، فهو من الدول الصغرى، والمغمورة، والفقيرة، والنامية، وتلك التي تسعى للحصول على الاعتراف والتحرر مسموح له أن يكون مؤثرًا بتحريك من الأكبر منها والكبرى، وبما يخدم مسارات الاشتباك بين الأخيرة المختلفة فيما بينها، والتي ترى الصغار أدوات بيدها. وبناء عليه فإن الرفض أو الامتناع اللذين قد يدلي بأحدهما أولئك الصغار، في تصويت أممي يستهدف تطلعات شعوب تتعارض حريتها وكرامتها مع مصالح الدول الكبرى، التي تشغلهم أو يصطفون بجانبها؛ يبقي على مصالح الكبرى وتبعية تلك الشعوب ويحرمها من حقوق معنوية مماثلة لتلك التي يسيء الصغار استخدامها.

ولو اقتربنا أكثر إلى البيئة موضوع الدراسة وهي العربية، فالعاطفة وردود الفعل تعدان من المحركات بالنسبة للقيادات السياسية الممثلة، مضافًا إليهما مصالحها الخاصة وديكتاتوريتها المفرطة، ومساعيها للحفاظ على بقائها عبر محاباة الآخرين الأقوياء أو التبعية لهم في التنفيذ، وتلعب تلك القيادات العربية المتحكمة على تناقضات المشهدين العربي والدولي، ولا سيما المتعلق منهما ببلدانها وبالقضية الفلسطينية، بل تجد منها فرصًا ذهبية لتبرير القفز من هنا إلى هناك، والدفاع عن بقاء بعضها. وهنا تقع ضغوط جديدة على شعوب تلك الدول من قبل قياداتها المتحكمة والمشغلين الكبار، ما يجبرها على تحمل أعباء ليست مضطرة لتحملها، ويبقيها المتضرر الوحيد حال تغير شيء في واقع أنظمة الحكم والخارطة السياسية الإقليمية أو الدولية، باعتبار أن الأنظمة العربية تسيء استخدام الحقوق المعنوية الممنوحة، وتؤذي ظهور الشعب على الواجهة الدولية، ما يجعل المسألة مركبة لإنتاج ضغط دائم على شعوب تلك الدول التابعة وشعوب الدول المتأذية من القرارات التي تصوت ضدها الأولى، أو تمتنع عن التصويت.

وبالإسقاط على حالة فلسطين، كان من الجيد خلال السنوات الأخيرة أن تعترف الجمعية العامة للأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية بفلسطين دولة جزئية أو كاملة العضوية، والجيد أن ذلك يحصل بصورة فضفاضة، تتيح لمن لا يعرف عن القضية وتضحيات شعبها أن يبدأ بالتثقيف الذاتي، والضغط لمصلحة الاعتراف بوجود فلسطين أرضًا وشعبًا، بغض النظر عن موقفه من وجود دولة الاحتلال الإسرائيلي أو عدم وجوده، وبشكل معنوي يراعي اختلافات الفلسطينيين السياسية، والاجتماعية، والقانونية وكون أكثر من نصفهم لاجئين، وكذا يراعي تشتتهم واختلاف مفهوم الهوية من وجهات نظرهم، والأهم في المجمل أن يرفع العلم الفلسطيني محتويًا تحته كل تلك التناقضات.

في المقابل فإن كل ذلك الحاصل لا يعد إنجازًا فريدًا لأي سلطة فلسطينية قائمة، مقارنة بحجم التضحيات الكبيرة والطاقات الموجودة لدى الشعب الفلسطيني، بل إن أسوأ ما في الأمر أن فعل التمثيل تقوده زمرة يمكنها المشاركة في التغطية على أنظمة من نموذجي السوري والسعودي، وبالطريقة نفسها التي تشتكي فيها من أي تصويت يصدر عن دول مغمورة لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي، مناهضًا لحقوق الشعب الفلسطيني وغير آبه بوجوده، وهو ما تأتّى في أول تصويت لممثلي تلك السلطة ضمن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، رغم عدم فاعلية ذاك التصويت، ليناهض وجود شعب سوري في بلد صار يراها دعاة أوسلو أنفسهم «محورية»، منذ أعادوا التطبيع مع نظامها الذي استباح شعبهم ومخيمات لاجئيهم قبل أن يستبيح الشعب السوري بالسلاح الكيماوي وغيره، فصارت سوريا من وجهة نظرهم بلدًا تتمثل في رأس ذاك النظام بغض النظر عن إلغاء الشعب، وتدمير الأرض، واختفاء السيادة.

من هنا يحق لممثل العراق الذي جلبه الاحتلال الأمريكي سابقًا إلى البلد المفتتة، والتي استباحت ميليشياتها المدعومة إيرانيًّا كل الأرض السورية، يحق له أن يتساءل عن الأسباب التي تدفع سلطة أوسلو نحو كل هذا التهور باسم فلسطين، وهي التي لا تملك من قرارها الكثير، مقابل تحفظه هو عن التصويت لمصلحة نظام الأسد، وهو الداعم له بالمقاتلين، والمدفوع لدعمه بقرار النظام الإيراني!

ولعل التناقض في دعم السلطة لنظامين عربيين متخاصمين قدما خدمة كبيرة بأن فضح مندوب كل منهما الآخر في المحافل الدولية، وأفصح عن بعض ما لديه ولدى خصمه من جريمة يؤكد تجانسهما في الغاية النهائية، والوسائل المتبعة، ويفسر سبب محاباة السلطة لهما سياسيًّا ودبلوماسيًّا، بالرغم من أن النظام السوري نفسه يرى في سلطة أوسلو رأسًا لمشروع التسوية النقيض لمشروع الممانعة ويراها من أتباع محور المساومة بقطبيه السعودي والمصري الحاليين، موازيًا لمحور المقاومة السوري الإيراني، وفي الوقت ذاته يوافق نظام الأسد ذاته على تمثيل السلطة المزري لشعب فلسطين وقضيتها؛ لأنها تطبّع معه حاليًّا، وتتماهى مع خطابه، وتدافع عن بقائه.

وكذا يجد النظام السعودي مبرراته غير المعلنة لدعم السلطة وتحريكها، بما يسمح له إيجاد غطاء لضرب المحور الفلسطيني الآخر، وتضليل الرأي العام حيال استهداف أي عمل فلسطيني مقاوم؛ لمحاولة إظهار ذلك على أنه ممارسة سياسية لإضعاف حالة «الإسلام السياسي» التي تمثلها حركة حماس وداعموها، أكثر من كونه استهدافًا للقضية الفلسطينية بثوابتها الأساسية، لكن بالمحصلة فهي أي السلطة كسبت ود النظامين على حساب قضية شعبها ودمه، وبما يضمن لها البقاء نظامًا قمعيًا متسلطًا على الفلسطينيين أطول فترة ممكنة، بغض النظر عن اختلاف المواقف الشعبية تجاه القوى الفلسطينية الإسلامية واليسارية فالأخيرة أيضًا في موضع النقد.

ويبدو أن كل ذلك يجري بناء على ردود فعل وغزل تمثلهما وفود تلك السلطة، أو بأسوأ من ذلك، باسم شعب يعي في غالبيته جيدًا كل مواقع الظلم والاضطهاد، وبات يدرك، والإدراك أعلى درجات المعرفة، بفئات واسعة من مثقفيه، وشبابه ضرورة التعقل في اتخاذ القرار وارتباط فلسطين بما هو أخلاقي قبل أي شيء آخر، كحالة يفترض أن تكون نموذجية، وليس لدى معظم هذا الشعب الرغبة لاستخدام حقوقه المتواضعة أصلًا في إبطال حقوق فئات أخرى من الضحايا.

وتنسى تلك السلطة أن انضمام فلسطين – وليس انضمام السلطة- إلى المواثيق والمقاعد الدولية هدفه الأساس استخدام الحق الدبلوماسي لخدمة القضية، وفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي بالدرجة الأولى، وإبقائها موضع مناصرة لا موضع شك من جميع شعوب العالم، خاصة العربية منها، وبالأخص المناضلة للتحرر من العبودية، وإلا فلا جدوى من ذاك الوجود سوى إضعاف الحق نفسه بإبطال حقوق بقية المظلومين.

وعليه، فإن الأزمة الحقيقة قبل الحديث عن حقوق معنوية هي في كيفية إنشاء تمثيل لشعوب مسلوبة القرار، ومن بينها الشعب الفلسطيني، لتمارس حقوقها بحرية، فلا يسلب الممثلون عنها حقها في تقرير المصير بالتوازي مع سلب الاحتلال والقوى الخارجية له.

وأستحضر هنا ما قاله صديق لي وهو: «إن السياسة ليست بكل تلك القذارة، إلا أن السياسيين هم القذرون»، مفترضًا صحة ذلك جدلا للبحث عن الأسباب التي تحول دون إفصاح مسؤولي السلطة أمام الشعب، وعبر وسائل إعلامهم عن ممارساتهم تلك في المحافل الدولية، والدوافع التي تحركها، وللتحري إن كانت طريقة تسييرهم للحقوق المعنوية ممارسة سياسية، أم برهانًا للفرض الجدلي السابق، ولن أضطر هنا للاعتذار إلى أخوتي أبناء الثورة السورية اليتيمة، إذ تداعت إلى ذهني صور شهدائهم وشهدائنا على مذبح الحرية بالتوازي مع التصويت الفلسطيني الداعم لقاتلهم وقاتل الفلسطينيين، فنحن شأننا شأنهم سرق منا القرار والتمثيل ممن يدعون أن القاتل صاحب حضور محوري على جماجم الأطفال، بموازاة ادعاء نظام الأسد دفاعه عن فلسطين، بينما يقف على جماجم أبنائها منذ تل الزعتر وحتى مخيم اليرموك.

في خضم ذلك يبقى التساؤل الفلسطيني الأبرز: كيف يمكن الحيلولة دون تحول حق الاعتراف الدولي بفلسطين وشعبها إلى نقمة تصيب الفلسطينيين بفعل سلطة الأمر الواقع؟ وهل يمكن أن تبقى قضية فلسطين أمميًّا بصورتها العامة النقية؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد