لقد كان لاستقرار الدعوة في النفوس أثره الناجم عن التسليم العقلي والروحي والجسدي لها، بالإضافة إلى الإلمام بمقتضيات الأسباب التي لا تدع مجالًا للشك في صدقها، مما أوجب المدد الإلهي، فكان الدعم الملائكي هو المدد الواجب كـتحصيل ما يكون سببًا للنصر.

ولعل التساؤل يدور هنا لما كانت الملائكة تحديدًا؟! فأجاب الدكتور عبد الكريم زيدان: أنها سُنّة الله تجري بتدافع الحق وأهله مع الباطل وأهله، وأن الغلبة تكون وفقًا لسنن في الغلبة والانتصار، وأن هذا التدافع في الأصل بين أهل الجانبين الحق والباطل، ومن ثمرات التمسك بالحق والقيام بمتطلباته أن يحصلوا على العون والتأييد من الله تعالى، بأشكال وأنواع متعددة من التأييد والعون، ولكن تبقى المدافعة والتدافع، يجريان وَفقًا لسنن الله فيهما، وفي نتيجة هذا التدافع، فالجهة الأقوى بكل معاني القوة اللازمة للغلبة هي التي تغلب، فالإمداد بالملائكة هو بعض ثمرات إيمان تلك العُصبة المجاهدة ذلك الإمداد الذي تحقق به ما يستلزم الغلبة على العدو، ولكن بقيت الغلبة موقوفة على ما قدمه أولئك المؤمنون من قتال ومباشرة لأعمال القتال، وتعرضهم للقتل، وصمودهم وثباتهم في الحرب، واستدامة توكلهم على الله، واعتمادهم عليه وثقتهم به وهذه معان جعلها الله حسب سُننه في الحياة أسبابًا للغلبة والنصر، مع الأسباب المادية والإيمانية للغلبة والانتصار، وبأيديهم، حتى يشاء الله تعالى وينال المُبطلون ما يستحقون من العقاب، قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)) التوبة

في دُعـائه قـدر

عندما انتظمت الصفوف استعدادًا للقتال وأوشك القتال على البدء توجه المُصطفى إلى الله بالدعاء والاستغاثة يناشده النصر فأخذ يردد: «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض» فما زال يدعو ويستغيث حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر وردّه إليه وهو يقول: يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)) الأنفال

وقد يكون في المناشدة والتضرع أحد مُكمّلات الإلمام بالأسباب، بالإضافة إلى سد الثغرات على نوايا التواكل التي قد تساور القلوب (بأننا طالما نحن الحق فلِم نخشى الهزيمة؟!) ، وأيضًا يكون الدعاء أثرٌ يُقتفى من بعده، ولعل طمأنة التواكل هذه لم تخالج القلوب باعتبار أن الغلبة المادية والعددية كانت لقريش في تلك المعركة، ولكن ظهر هذا جليًا في «حُنين» حينما كان التمكين العددى والمادي للمسلمين فكان دُعاء «المُصطفى» طوق النجاه يومها.

«وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ» التوبة 25

خلاف الأنفال

بعدما انتهت المعركة تفرق الصحابة على ثلاثة محاور، فانطلقت طائفة تلاحق فلول قريش وأخذت أخرى تجمع الغنائم وظلت الثالثة في حراسة النبي الكريم خشية الغدر به، فلما فاؤا بعضهم إلى بعض أخذت تطالب كل فئة بالأحقية في حيازة الأنفال فأنزل الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) الأنفال 1، فكان الفصل الرباني بالسُلطة النبوية في التصرف فيها وأنزل قوله: “وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأنفال 41

فكان اختلاف الأنفال إحدى صور التوجه إلى احتكام الحكمة وإفساح الطريق كي يتسنى للقانون الرباني للبت فيها، فقد أُوكِل الأمر لله ورسوله وما دون ذلك فإلى زوال، فطهرت القلوب من الأخلاط وأخلصت، فتحقق معنى العبودية الخالصة لله.

الأســرى

بعد انتهاء المعركة كان أمر الأسرى من الأمور التي تستدعي التنظيم الإلهي في آلية التعامل معه فمنهم من تم فداءَه كـ«العباس» عم النبي و«أبو العاص بن الربيع» زوج السيدة زينت بنت النبي و«سُهيل بن عمرو» وهؤلا كان فيهم خير وأسلموا فيما بعد، فهذا عم العباس عم النبي قد خرج مُكرهًا مع قريش، وأما أبو العاص فلم يكن يعادي النبي أثناء دعوته في مكة فكان جُل اهتمامه منصبّ لتجارته، وأما «سُهيل» فكان خطيًا فصيحًا ذي حنكة، فعندما وقع أسيرًا استأذن «عُمر» النبي كي يبطش به فقال «الكريم»: «لا أمثل به فيمثل بي الله وإن كنت نبيًا، إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه» وبالفعل بعد ممات النبي وارتد العرب وظهر النفاق في المدينة قام في الناس يومها بمكة وثبتهم على الدين الحنيف فقال: «يا معشر قريش لا تكونوا آخر الناس إسلامًا وأولهم ردة، من رابنا ضربنا عنقه».

ومن المشركين من لم يكن بُد من البطش بهم فهذا «عقبة بن أبي معيط» الذي كان من أشد المحرضين على الدعوة ومن ألد أعدائها فلا خير فيه، وهذا «النضر بن الحارث» كلما قدم النبي مجلسًا يدعو فيه أهل مكة خلفه فيه وأخد يصد الناس عن الحق بأحاديث الفرس الذي تعلمها فلا خير فيه أيضًا.

كان من صور الفداء لغير المقتدرين من الأسرى هو  التعليم مقابل الفداء فجعل النبي فداءهم في أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، فكان الأسير يفدي نفسه مقابل تعليم 10 غلمان من أبناء الأنصار، وبذلك فقد كانت إحدى صور الأثر التي ضربت للاقتفاء.

يوم فرقان

كانت بدر يوم فرقان، فرق به الله عز وجل الحق عن الباطل، ورسمًا لمعالم الطريق الذي سيُنتهج فيما بعد، بل ورؤية له في المستقبل البعيد، فكان النصر ثمن التصديق وكان الاحتكام لله ورسوله طيلة أحداث المعركة وبعد انتهائها دليل على ذلك، فقد صدقوا الله فصدقهم، وزادهم إيمانًا وتسليمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

لماذا تكرهون جوارديولا؟
تاريخ وفلسفة
منذ 3 أسابيع
المثلجات الذهبية
اقتصاد الناس
منذ 3 أسابيع
سدنة الجماعة
شارك 79
عربي
منذ 3 أسابيع