كانت طليعة الطريق لقيام الأمة، وإرساء الدعائم لدولة الحق، ولأن الأُمم كما البشر لها أعمار، تبدأُ بالوهن ثم التدرج في القوة، إلى أن تصل إلى ذروتها فيدُب فيها الوهن مرة أخرى، وقد يأتي المُجددون أو قد لا يأتون؛ فتندثر كسائر الأمم السابقة.

«اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ» (الروم 54)

كانت في «الثاني عشر من شهر رمضان المُبارك في السنة الثانية من الهجرة»، ولا تكاد تؤرخ معركة من المعارك الفاصلة في مسيرة الدعوة الإسلامية إلا إذا نُسّبت إلى «معركة بـدر»، فيُقال حضرها «كذا» من «البدريين»، فكانوا قوة تُضاف لقوى الجيوش، وعُدةً تُغني عن العتاد المادي؛ نظرًا لقيمتها وقيمة من حضرها، كذلك الحَرج الزماني والمكاني لتلك المعركة.

لقد كان لـ«بـدر» النصيب الأكبر في تأسيس النظام النبوي الجديد، وإحياء كلمة الله في أرضه، فكانت الصوت الأول لأصحاب الدعوة الجُدد كي يُبرهنوا به على خروجهم من ظُلمة الضعف والجور، إلى نور القوة والمواجهة، وذلك بعد الترويع الذي كان يحياه «المُهاجرون» في مكة، كما النزاع الذي تاه فيه «الأوس» و«الخزرج» في المدينة، فكانت أولى الفُرص لاجتذاب تلك القلوب على كلمةٍ واحدة وتحت راية واحدة، بل اختبار مدى صدق ورسوخ الدعوة في نفوسهم، واقتلاع روح العصبية التى كانت تسودهم.

ولأن سطوة الحق لا تتم بالعُدّة والعتاد ولا أيٍّ من هذا القَبيل المادي، بل بالأحقّية التي يدعمها العون الإلهي، فكان لا بُدَّ من الاقتتال الذي هو ذروة الاختبار، فجاء «كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ(6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)» «الأنفال».

• في اجتياز الاختبار واستبقاء الحق

«سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود»

حينما جمع المصطفى «ص» أصحابه للمشورة في التقدم لمُلاقاة العدو فقال: أشيروا عليَّ أيها الناس، فقام «المقداد بن الأسود» – وكان من المُهاجرين- وقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى «فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ»، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، – فأشرق وجه «النبي»- ولكنه أعادها: «أشيروا عليّ أيها الناس»، فكان يقصد بذلك الأنصار لأنهم غالبية جُنده؛ فنهض «سعد بن معاذ» وكان يحمل لواء «الأنصار» يومها، وقد أدرك مقصد النبي فقال: «لكأنك تُريدنا يا رسول الله؟» فقال: «أجل»، فقال: «قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخُضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك»

«عُمير بن الحَمام الأنصاري»

فقد رُوي أثناء المعركة أن قال «النبي»: «قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض» فقال «عُمير بن الحُمام الأنصاري»: يا رسول الله جنةٍ عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم فقال: «بخٍ بخٍ» (كلمة تعجب)

فقال «النبي»: ما يحملُك على قولك؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. فقال «النبي»: فإنك من أهلها، فأخرج من جعبته تمرات فجعل يأكل منها ثم قال: «لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة»، فرمى ما كان معه من التمر وأخذ يردد:

ركضًا إلى الله بغير زاد

إلا التُقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

وكل زادٍ عرضه النفاد

غير التُقى وبر الرشاد، فقاتل حتى قُتل.

«عوف بن الحارث»

رُوي أن الحارث قال «للنبي»: «يا رسول الله ما يُضحكُ الرب من عبده؟» قال «النبي»: «غمسة يده في العدو غير حاسر» أي غير مرتدي الدرع، فنزع درعًا كان يرتديه وأخذ يقاتل حتى قُتل.

«سعد بن خثيمة»

لما استهم سعد يوم بدر وأبوه فخرج سعد فقال أبوه: «يا بني آثرني اليوم»، فقال سعد: «يا أبتي لو كان غير الجنة فعلت»، فخرج إلى بدر فقُتل بها.

«معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح»

روى «عبد الرحمن بن عوف»: أنه بينما أنا واقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون أضلع منهما، فغمزني أحدهما وقال: يا عم أتعرف أبا جهل؟ فقلتُ: «نعم، ما حاجتك به يا ابن أخي؟!» فقال: «أُخبرتُ أنه يسبُ رسول الله، والذي نفسي بيده لإن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا» قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها.

فلم ألبث أن نظرت أبا جهل يجول في الناس قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى «النبي» فأخبراه فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: «هل مسحتما سيفيكُما؟» ،قالا: لا، فقال: «كلاكما قتله».

«أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة»

في بداية المعركة تقدم كُل من «عُتبة بن ربيعة» و«شيبة بن ربيعة» و«ابنه الوليد» من قريش، فيما تقدم من المسلمين «سيدنا حمزة» و«علي بن أبي طالب» و«عُبيدة بن الحارث» فقُتِلت ثلاثية المشركين، وكان يقاتل في صفوف المسلمين «أبو حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة» فلما أمر «النبي» بالقتلى بعد انتهاء المعركة رأى «النبي» في وجه «أبي حذيفة» الكراهية، فقال «النبي»: «يا أبا حذيفة لكأنك ساءك ما كان في أبيك؟» فقال: «والله يا رسول الله ما شككت في الله ورسوله، ولكن أبي كان حليمًا سديدًا ذا رأي، فكُنت أرجو ألا يموت حتى يهديه الله، فلما رأيت أن قد فات ذلك، ووقع حيث وقع أحزنني ذلك.

إذن فقد استقرت النفوس واحتكمت العقول، حتى باتت الغاية واحدة، والمُراد واحدًا، ألا وهو «الله ورسوله»… يُتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

بدر كانت أمة ج(2)
منذ 3 أسابيع
تاريخ وفلسفة
بدر الكبرى.. يوم التقى الجمعان
شارك 11
منذ سنة واحدة
تاريخ وفلسفة
لماذا تكرهون جوارديولا؟
تاريخ وفلسفة
منذ 3 أسابيع
المثلجات الذهبية
اقتصاد الناس
منذ 3 أسابيع