انتهت قمة بغداد، أو كما أطلق عليها مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، وخرجت ببيان إنشائي يدعو إلى دعم العراق والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه.

الإخوة الأعداء كانوا حاضرين، وأقصد هنا دول الخليج التي دعيت للمؤتمر، وهي المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت. وحصلت بينهم لقاءات ثنائية على هامش المؤتمر شاهدنا من خلاله اجتماع محمد بن راشد مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وهو أول لقاء بعد المصالحة.

تصرفات الوزير الإيراني المستفزة لاقت تفاعل واستنكارًا شعبيًا كبيرًا من العراقيين والعرب على مواقع التواصل الاجتماعي، حاول فيها الوزير الإيراني أن يظهر سيطرة إيران على العراق، كلمته في المؤتمر لم تخلُ من الاتهامات التي وجهها لأمريكا والتوبيخ للعرب؛ لأنهم لم يساعدوا العراق في حربه ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» كما يقول، بالغ في حجم التبادل التجاري مع العراق وذكر رقم فلكي استدعى من رئيس الوزراء العراقي أن يصحح له المعلومة، كل ذلك كان متوقعًا بالنظر لخلفية إيران المتغطرسة والعدوانية، حتى تجاوزه على البروتوكول الرسمي للمؤتمر ووقوفه في الصف الأول مع الرؤساء والملوك لم يكن مستغربًا.

لكن لنعد إلى صلب الموضوع: ما هو الهدف من عقد هذه القمة؟

بالطبع الهدف المعلن هو أمني واقتصادي، لكن في الحقيقة الموضوع بعيد تمامًا عما أعلن عنه، فهذا المؤتمر لم يكن سوى مباحثات تحضيرية للأنسحاب الأمريكي من العراق، والذي أعلن عنه بايدن خلال لقاءه مع الكاظمي في واشنطن، فدول المنطقة – وخصوصًا الخليجية – قلقة من الانسحاب الأمريكي، خصوصًا مع سيطرة إيران على العراق، والذي سبق أن استخدمت أراضيه في ضرب منشأة أرامكو النفطية السعودية، وهو ما أكدته المعلومات الاستخبارية الأمريكية، ولجان التحقيق بعد الحادث.

إن دعوة فرنسا حليفة إيران لهذا المؤتمر كان الهدف منها هو تقديم الضمانات الكافية لدول الخليج والأردن بعدم المساس بأمنها من قبل إيران بعد انسحاب القوات الأمريكية، وأن على إيران كبح جماح المليشيات العراقية، والتي تشكل الخطر الأكبر على أمن الخليج والمنطقة بصورة عامة.

هذا التحليل البسيط لما جرى في قمة بغداد له أوليات ومعطيات على الأرض قد لا يلتفت إليها المتابع البسيط، وأولها هو حتمية الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية العام الجاري، لكن ليس على الطريقة الأفغانية لأن أمريكا لا تريد اشتعال المنطقة بعد انسحابها لذلك عملت إلى جمع الاطراف الاقليمية وذات الشأن على طاولة مفاوضات ليتم الاتفاق مسبقًا على جميع الأمور والمتعلقات الأمنية قبل الانسحاب، وهذا مشابه لما قامت به أمريكا مع الحكومة الافغانية وطالبان في الدوحة في شهر نوفمبر  (تشرين الثاني) من العام الماضي.

أولى المؤشرات التي تؤكد الانسحاب الأمريكي من العراق هو سحب بطاريات الباتريوت من السعودية والعراق قبل شهرين وإعادتها إلى الولايات المتحدة، وهذا يؤكد النية الأمريكية للانسحاب من العراق، لذلك جاء المؤتمر لتقديم الضمانات الفرنسية لدول المنطقة.

الأمر الآخر هو قيام المملكة العربية السعودية بتوقيع اتفاقية عسكرية مهمة لم يتم الإعلان عن بنودها بين المملكة وروسيا، على الرغم من وجود اتفاقيات عسكرية بين أمريكا والسعودية منذ عام 1990، السعودية وقعت الاتفاقية قبل حضورها المؤتمر بأيام قليلة، قابلها رفض شديد اللهجة من الولايات المتحدة لهذه الاتفاقية، هذه الخطوة الاستباقية التي قامت بها السعودية وجهت من خلالها رسالة إلى أمريكا بأن انسحابها لن يؤثر على أمن المملكة، وقد تحذو دول الخليج الأخرى حذوها، وتحاول إيجاد البديل القوي الذي يحفظ أمنها من الخطر الإيراني.

الشواهد الأخرى كثيرة لا مجال لذكرها هنا، لكن ما هو مؤكد أن المنطقة مقبلة على تغيرات كثيرة وخطيرة في ظل تنامي التهديد الإيراني، وهذا ما يتطلب الوقوف في وجهها بكل الطرق الممكنة.

أما العراق فلا أعلم ماذا سيكون مصيره في ظل معركة المصالح، وفرض القوة، وهو يعيش أسوأ فتراته على مر التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد