مثل تاريخ 11 سبتمبر (أيلول) من العام 2001 يومًا مفصليًا في تاريخ عالمنا المعاصر، فبعد قيام تنظيم «القاعدة» الإرهابي بعمليته الأشهر في الولايات المتحدة الامريكية انصبت أنظار العالم لظاهرة الإرهاب لمحاولة فهمها واحتوائها قبل فوات الأوان.

اليوم بعد مرور ما يناهز العقدين من الزمن على توافق الأمم المتحدة على تعريف الإرهاب لا يزال هذا الوباء يدمر دولًا قائمة ويحصد أرواح الأبرياء كل يوم ما يطرح أكثر من تساؤل عن مدى قدرتنا على مواجهة هذا الوحش الكاسر.

يرى الكثير من المختصين في فكر الجماعات المتطرفة حول العالم أن فشل الأنظمة في محاربة ظاهرة الإرهاب يعود أساسًا إلى تركيز هذه الدول على معالجة أعراض المرض دون مواجهة حقيقية للمرض نفسه فالإرهاب ليس سوى عرض لمرض مزمن وقاتل يدعى التطرف الديني الذي لا يمكن للمقاربة الأمنية مقارعته والقضاء عليه بالكلية.

ماذا تعني وفاة زعيم «داعش» أبي بكر البغدادي؟

وفاة أبي بكر البغدادي لم تكن مفاجأة مدوية ألبتة، فالجميع يدرك أن العثور على زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» كان مسألة وقت لا أكثر، فبعد طرح مكافأة قدرها 25 مليون دولار لكل من يدلي بمعلومات من شأنها أن تقود إلى هذا الرجل إضافة للعمل الجهيد الذي تقوم به القوى الإقليمية والدولية، أيقن قادة العالم أن القبض على أخطر رجل في العالم لن يطول كثيرًا.

المثير للاهتمام أن ردود الأفعال الدولية يعد مقتل زعيم (داعش) لم تكن بذات الحماسة مقارنة بيوم إعلان مقتل أسامة بن لادن؛ إذ يبدو أن العالم قد اقتنع أخيرًا أنه بمجرد وفاة بغدادي واحد يولد ألف بغدادي جديد، فالحرب حرب فكر قبل أن تكون حرب بندقية.

الحرب على (داعش) لم تنته بنفوق زعيمها، فالرماد سيخلف حتمًا بذرًا ينبت منه شوك أشد سمية من البذرة نفسها لهذا يذهب البعض إلى اعتبار موت أبي بكر البغدادي النسيم الذي سيؤجج نار الإرهاب؛ فيزيدها ضراوة. وقد أكد كينيث فرانك قائد سلاح البحرية الأمريكي ذلك قائلًا: «إن الدولة الإسلامية بالعراق والشام تمتلك عددًا كافيًا من القادة قادرين على تعويض قائدهم السابق خلال 15 يومًا لا أكثر، فبدراسة للتاريخ القريب نرى أنه بعد تراجع شعبية تنظيم «القاعدة» بعد وفاة أسامة بن لادن ملأت (داعش) الفراغ الذي خلفه التنظيم الأم في وقت قياسي، فمنظومة الفكر السلفي الجهادي أشبه بأخطبوط بمائة ذراع ومائة وجه».

القضية المركزية التي يجب تناولها هنا تكمن في طريقة القضاء على مكن الداء واُس المصائب نقصد بذلك التفكير السلفي الجهادي الذي بمجرد ضموره واضمحلاله تفقد هذه الجماعات المتطرفة اي شرعية دينية او اجتماعية فالحرب على الإرهاب لا تنتهي عند مجرد الانتصار في الميدان، ذلك أن أهم جبهاتها ليس جبهات القتال بأرض الحرب، بل بأرض السلم أيضًا حيث يصنع جنود الإرهاب في الخفاء بالمساجد الخارجة عن السيطرة بعيدًا عن أنظار الأنظمة القائمة أو داخل السجون التي تخلط بين سجناء الحق العام وسجناء الإرهاب دون إدراك لجسامة هذا الفعل.

يعد موت أبي بكر البغدادي خطوة مهمة في طريق الحرب على الإرهاب بمنطقة الشرق الوسط، إلا أنها ليست إعلانًا عن اختفاء هذا السرطان الخبيث المتفشي في كل ربوع العالم، فالحرب على الإرهاب لن تنتهي ما لم تخض الحرب الحقيقية؛ ألا وهي الحرب الفكرية بجدية حتى ينفق هذا الوحش الكاسر وتكسر شوكته للأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد