هناك رجلان اشتهرا باسم البغدادي، أولهما عالم متبحر في علوم الشريعة، وفيلسوف وطبيب ورحالة عبقري كبير، عاشق للعمران البشري، عاشق لخدمة الإنسانية، يتعبد إلى الله بكُتبه ودروسه وعلومه ومعرفته الواسعة والشاسعة، وثانيهما إرهابي راديكالي، خرج على الناس بالفساد والتكفير والترهيب والتفجير والتدمير وقطع الرقاب، والله لن يذكره التاريخ إلا باللعنات.

أما البغدادي الأول، فهو الرحالة الشيخ العلامة الإمام الكبير الجليل «موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي»، الذي زار مصر سنة 589هـ «القرن السادس الهجري»، الموافق سنة 1193م «الثاني عشر الميلادي»، وكان نموذجًا أصيلاً للإنسان المسلم بحق، عاشقًا للعلم ومُحبًا لخدمة الناس، وقد سجل رحلته العجيبة والمدهشة إلى مصر في مجلد عنوانه «الإفادة والاعتبار» ووصف فيه مصر وصفًا تفصيليًا لجغرافيتها وطبيعتها وأنماط الحياة فيها، وأعطى صورة طبوغرافية مدهشة ومذهلة لتلك البقعة من الأرض، وكأنه «بجوجل إيرث» عصره، وكان يتمتع بذاكرة فوتوغرافية، وقد سجل كل مشهد وقعت عليه عينه الفاحصة، وقد وصف الهندسة المصرية بكل ألوانها وأشكالها وحيوية رسومها وزخرفتها ودلالتها، وغاص في المجتمع واحتك بعادات «أم الدنيا» وتقاليدها، وروى أدق التفاصيل، وذكر حتى الألبسة والأطعمة وأنواعها، وعبر حتى عن رائحتها وطريقة صناعتها، ووصف النباتات والأشجار والثمار والأزهار التي تنبت فيها، ووصف طباع أهلها حتى يكاد يُشعر القارئ بأنه يُعايش تلك الحضارة.

وقد اقترح عليه الملك العظيم العزيز «عماد الدين أبو الفتح عثمان بن صلاح الدين يوسف» البقاء في مصر وأن يشتغل بالتدريس في مؤسسة الأزهر العريقة، قبل 900 سنة من اليوم، فأقام يدرِّس فيها بضع سنوات، إلى وفاة الملك العزيز سنة 595هـ، وقد صرح هو بذلك في سيرته الذاتية، التي نقلها بكل ثقة المؤرخ المشهور والأديب الدمشقي «ابن فضل الله العمري» في كتاب: «مسالك الأبصار، في ممالك الأمصار» فقال: «وكانت سيرتي في هذه المدة أنني أقرئ الناس في الجامع الأزهر إلى نحو الساعة الرابعة، ووسط النهار يأتي من يقرأ الطب وغيره، وآخر النهار أرجع إلى الجامع، فيقرأ قوم آخرون، وفي الليل أشتغل مع نفسي»، يُدرس الناس ويخدمهم ويشتغل مع نفسه فينعزل عن العامة، ويتعبد إلى رب العالمين ويسأله التوفيق في خدمته وخدمة عباده لأنه كان سيرة مجددة.

ومن عجائب هذا البغدادي العبقري أنه نظر إلى التماثيل والأهرام ومختلف الآثار المصرية القديمة نظرة خبير وعالم مستكشف، فأدرك مقدار الذكاء الكامن والمدسوس وراء هذه الأبنية والأشكال الضخمة والعظيمة والخالدة، وقال في كتابه: «الإفادة والاعتبار»/ ص90: «وقد سُلك في تماثيل وبناية مصر طريقٌ عجيب من الشكل والإتقان، ولذلك صَبَرَتْ على مَرِّ الزمان، بل على مَرِّها صبر الزمان؛ فإنك إذا تَبَحَرْتَها وجدتَ الأذهان الشريفة قد اسْتُهْلِكَتْ فيها، والعقول الصافية قد أَفرغت عليها مجهودها، والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مُثُلا هي غاية إمكانها، حتى إنها تكاد تحدث عن قومها، وتُخْبِرُ بحالهم، وتنطق عن علومهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم»؛ إن المغزى والعبرة التي يمكن أن نأخذها من عسل كلامه الموزون، أن لكل حضارة أثرًا، ومن واجب الأجيال أن تحافظ على هذا الأثر إذ لم يُحدث في الأمة فتنة أو ضررًا.

بل يسجل عن الأهرام والتماثيل المصرية شيئًا عجيبًا لم يعد موجودًا اليوم، وهو النقوش النفيسة والأشكال المتقنة التي شاهدها هو قبل تسعمائة سنة، والتي كانت بمثابة سجل تاريخي ووثيقة أثرية نادرة تحكي تاريخ الحضارة الفرعونية وثقافتها، وهذه الوثيقة لا تقدر بكنوز الأرض كلها، وقد زالت عبر تسعة قرون مضت من الزمان، لكنها كانت دائمة وباقية إلى زمنه، ولم يبق منها اليوم شيء إلا قليل، فيقول في ص100: «إن المدن المصرية مع سعتها وتقادم عهدها، وتداول الملل عليها، واستئصال الأمم إياها، من تعفية آثارها، ومحو رسومها، وكسر حجارتها ومختلف آلاتها الصناعية، وإفساد أبنيتها، وتشويه صورها، مضافًا إليها ما فعلته فيها أربعة آلاف سنة فصاعدًا، تجد فيها من العجائب ما يفوت فهم الفطن المتأمل، ويحسر دون وصفه البليغ اللسن، وكلما زدته تأملاً زادك عجبًا، وكلما زدته نظرًا زادك طربًا، ومهما استنبطت منه معنى أنبأك بما هو أغرب، ومهما استثرت منه علمًا ذلك برهان يُرشد إلى ما هو أعظم».

أيها القارئ، إن هذا البغدادي المجدد العبقري نموذج يستحق الذكر؛ لأنه شارك في صناعة حضارة عريقة وعظيمة على ضفاف دجلة والفرات قبل ألوف السنين، وبه وبفضل علومه صارت بغداد في عهد الخلفاء المسلمين عاصمة الدنيا، ومقر العلم والحكمة، ورمز الحضارة ومهد لها الطريق إلى التقدم نحو التمدن.

أما البغدادي الثاني، فهو «إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي» المشهور باسم «أبي بكر البغدادي» زعيم تنظيم (داعش) وأميره، الإرهابي الذي قدم إلى العالم نموذجًا دينيًا من أقبح وأبشع النماذج في التاريخ الإسلامي، حاملاً برنامجًا كله دماء وجنون ودمار؛ لأنه صاحب سيرة مدمرة، ورغم أنه تلقب بلقب البغدادي فإنه في حقيقته وجوهره امتداد لظاهرة التتار، التي كانت في الماضي أعنف هجوم على بغداد العريقة التي دمرت التراث الإسلامي فيها، ودمرت الحضارات كلها، ومسحت كل أثر يُرشد أو يدل على وجود تاريخ أو ثقافة إنسانية ماضية في بغداد التي كانت من أجمل وأعرق المدن في العراق.

وقد تضاربت الأخبار حول مقتل أمير «داعش » في غارة جوية، فكانت المؤسسات الروسية تؤكد مقتله، وكانت الإدارة الأمريكية تنفي ذلك أو تُشكك في صحة الخبر، وقد خرج بعدها بتسجيل صوتي في غاية الخطورة، ينفي فيه مقتله، ويكرس للصراع والصدام الأبدي بين الأجناس، مُدمرًا مقاصد الشريعة التي جاءت بالهداية لا بالصدام والصراع، والتي جاءت بحفظ الأنفس وحفظ العقول وحفظ الدين، وحفظ الأموال وحفظ الأعراض وحفظ الكرامة، وجاءت بالعلم والمعرفة، فحولها هو وأتباعه إلى القتل والخراب، ويشحن أتباعه في التسجيل الصوتي ليوقدوا نيران الحرب على العالم ويكثفوا الضربات، وأمرهم أن يستهدفوا مراكز الإعلام، والعلماء والدعاة، ومختلف المؤسسات الوطنية والمواقع الأثرية للبلدان العربية وغير العربية، وأمر بإيقاظ الخلايا النائمة لترهيب الناس في أوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان الكافرة.

أيها القارئ، إن الفرق ما بين «عبد اللطيف» و«أبي بكر» البغدادي كالفارق ما بين السماء والأرض، إن الفرق ما بين «عبد اللطيف » و«أبي بكر » كالفارق بين الجنة والنار، والمقارنة بين هذين «البغداديين» تكشف لنا عن الفارق الضخم بين عقل بناء مُحب لدينه ولغيره ويتعبد إلى الله بأقواله وأفعاله الحميدة والكريمة، والتي انطلق بها إلى بناء الأمان والعمران والعلم والإبداع، فجسد مقاصد كل الشرع الشريف، وبين عقل شرير مدمر إرهابي ظالم حمل راية الجريمة، انطلق بالتكفير والقتل والترويع والتخريب بأبشع الطرق، فدمَّر مقاصد الشريعة كلها.

سيزول هذا البغدادي المجرم، وسوف يزولون معه أتباعه المجانين، وسيزول باطلهم ولن يبقى منهم شيء، ولكن سيبقى علم البغدادي الأول خالدًا في التاريخ تذكره الأجيال، يتشرب منه الباحثون والعلماء والمفكرون من العرب وغير العرب، وسيستفيدون من علومه ومعارفه ورحلاته؛ لأنه سيرة مجددة، قال الله تبارك وتعالى: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ»، نحن نسير في درب هؤلاء، نواصل مهمتنا، نواصل البناء بينما الآخرون يواصلون الهدم، لن نيأس ولن نضعف ولن نتوقف، نتقدم بكل حسم وبكل عزم ونقول للبشرية كلها، بل نوجه هذا الكلام حتى إلى الحيوانات والأشجار والأحجار، إن أمنكم من أمننا، وسلامتكم من سلامتنا، وأرواحكم من أرواحنا وإسلامنا رحمة للعالمين ولا عدوان إلا على الظالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد