(الخطوبة) 1972، (بالأمس حلمت بك) 1984، (أنا الملك جئت)، (ذهبت إلى شلال)، و(لم أكن أعرف أن الطووايس تطير).

 

من المجموعة القصصية الأولى للكاتب بهاء طاهر، والتي صدرت عام 1972، وما أن تنتهي من قراءة أول قصة؛ ستدرك بسهولة أنك أمام كاتب يملك أهم عوامل الكتابة، الخصوصية والتفرد الشديد.. طريقة السرد السهلة المستعصية، لا لشيء، إلا لتلقائية بالغة لا يمكن أن تتصور معها أن الكاتب بذل أي جهد في اختيار المفردات أو التشبيهات، هو يسترسل في يسر مثبتا العلامات في طريقك باستمرار، تضيء في ذهنك عند الوقت المناسب لكشف الفكرة أو الحدث.. الأسلوب البسيط لغويا والخالي تماما من التفلسف والمبالغة والعميق الأثر جدا في النفس والوجدان.

 

باختصار ربما يكون بهاء طاهر من القلائل جدا الذي يمكنه بعد قراءة، لا تستغرق ساعات أن يترك فيك أثرا يبقى لسنين.. تضع الكتاب جانبا، ولا تعرف أين تتوه لدقائق أخرى.. كيف يبعث لك بكم الأسى والحزن، وحتى الرغبة الملحة في البكاء.. كيف لا تنسي الأبطال والأماكن ولا جمل الحوار.. كيف تخزن الإشارات في ضميرك، ثم تعاد لك تبرق مفصحة عن مغزى عميق.. الجمل التي أشبه بفلسفة حياة مضغوطة في حروف قليلة تطبع في ذاكرتك ككنز تهيل عليه أفكارك وانطباعاتك وتبقيه في مكان آمن جدا في الذاكرة.

هو لا يريدك كما باقي الكتاب أن تقر أنه يملك كل أدوات اللغة والبلاغة العالية.. ولا يريد أن يدخلك في متاهات و ألعاب السرد وغرائبه حتى تشهد له بالعبقرية والنبوغ.. هو يراهن على قلبك وضميرك.. يعرف جيدا جمهوره من القراء والتي تعني لهم القصة تواصلا من نوع خاص.. ومساحة ممدودة للحكي والبوح.

وهناك دائما جمل تعج بها قصصه كما وصف وجه (مارتين) في (أنا الملك جئت) ثم صورتها الباقية في ذاكرتي كالأثر، تبقى جمله كوجه مارتين في ذاكرة الطبيب (فريد) باقية كالأثر.

الخطوبة

في المجموعة الأولى والتي اختار لها اسما بسيطا (الخطوبة) كانت خطا جديدا وفريدا مغايرا تماما لنمط القصص القصيرة التي كانت شائعة في ذلك الوقت.. بين الخوض في عوالم غريبة وانغماس في رمزية الموضوع أو المبالغة في وصف الأحاسيس الخاصة، أو محاولات للتقليد، أو التأثر الشديد بجيل سابق.. جاء بهاء أنيقا بسيطا بصورة ملفتة تسترعي التوقف والتأمل.

في كل قصة وبسهولة يمسك بهاء طاهر بحبكة موزونة جدا لا تعتمد على الحدث ولا المفاجأة، بل على طريقة السرد التي  توحي بحميمية شديدة، وفي نفس الوقت توحي أن البطل، والذي غالبا يكون هو الرواي، شخص كتوم لا يحب البوح، لكن يروي لك ما حدث على طبيعته، وفي وصفه لما يشعر به تفصيلا في تلك اللحظات ينكشف أمامك رغما عنه.

في الخطوبة صورة الجندول المعلقة علي الحائط، وكيف وصفها، وكيف جعل رؤية البطل لها تعكس مدى توتره واضطرابه المتصاعد.. ولا يمكنك أن تنسى كيف نزل السلم ولا كيف عاد يصعده..

تشعر دائما أن هناك خدعة ما.. الأمر يبدو بسيطا جدا، لكن كلما توغلت في القراءة تتقين أن الأمر معقد وفلسفي جدا.

ربما بهاء طاهر لا يتعامل مع العقل، كما لو أنه غير معني بقلبك، وما القلب!

تتوالي القصص متنوعة في الطول والموضوعات، لكنها كلها تبدو كنظرة عميقة من زواية تكشف الكثير من التفاصيل.

الأب، اللكمة، دوامة صغيرة تأخذك معها، ولا تدري كيف انتقل لك تدريجيا شعور البطل بالارتباك والتيه. الصوت والصمت، بجوار أسماك ملونة، نهاية الحفل.

 

أنا الملك جئت

 

ولما ذهبت المرأة، ولما تفرق الذين اجتمعوا حولي، ولما وجدت نفسي وحيدا؛ اكتملت في تمامي،

الآن لم يبق وقت، وبقي الأبد.

الآن أناجيك فتعرفني … أدون سري بعيدا عن الأعين لعينك أنت تعرفني أتطلع إلى قرصك اللامع الذي يرقب من السماء كل شيء، وأنقش علي الصخر سري: إني حزين.

ذلك  الوجع الذي لا تصفه سوى تلك الجملة البليغة  (وفي الصحراء كان وجه مارتين في كل مكان).. الصدق الذي تمتليء به الجملة لا يحتمل أي تفلسف ولا استعراض.. ربما يشعر بها فقط  من لازمه  وجه شخص ما رغم تغير الأماكن والأحوال، ورغم كل محاولات النسيان.. يبقي ذلك الوجه الحبيب يعلو كل شيء في  الوجدان.

(أبشع شيء يا حشمت ليس الحزن ولكن اختفاء الحزن)

جملة أخرى في تلك القصة الغربية والقريبة جدا (أنا الملك جئت) كيف يعتاد الإنسان الحزن حتى لا يميزه.. لا يقاوم ولا يرجع،  بل يألفه ويصبح هو الدليل الوحيد علي الحياة أكثر من النبض، وأكثر من الحواس.. وعندما لا تعد تشعر به تعرف أنك حتى تفقد رويدا كل أسباب ودلائل الحياة.

ومن غرائب تلك القصة تحديدا أنها تولد داخلك شعورا كلما انتهيت من القراءة أنك ترغب في قراءتها مرة أخري بعد وقت من  التأمل.. وهي من نوع تلك الكتابات التي تشتاق إليها من وقت لآخر؛ فتقرأها كل مرة وفي داخلك منها شيء جديد.

محاكمة الكاهن كاي

صورة كاشفة لما وراء قدس الأقداس.. طالما وقف البشر بين الناس والآلهة طالما عرف النفاق والزيف.. بين الدين القديم وآمون الذي غلب رغم كل شيء كل الحق في آتون، الإله قصير العمر والخالد في فكرته ونوعية من يؤمنون به.. الكاهن (كاي نن) في مواجهة كهنة آمون، وعلى رأسهم زميله السابق كبير الكهنة (سمنخت) الدائم الإعجاب بالكاهن المارق الذي يكتب شعرا وتهون عليه الحياة في سبيل الحق.

سمخت ينطق بالحق وإن أنكره.. يعترف كيف رسخ للخوف من أجل بقاء الحكم وضمان ترسيخ السياسات.. الدين كان من بدء الحضارة عصا في يد الساسة.. ولن يجدي في مواجهتهم ريشة (ماعت) المقدسة، ولا كل حكمة كاي نن.

قال سمنخت : كان آتون حسنا لك، ولأخن، وللشعراء، لكن العامة لا تعيش بالتقوى.. العامة تحتاج إلى الخوف لكي تعرف التقوى.

ثم ينهي سمنخت القصة ليقر أن الكلمة أقوى من كل الكهنة، وأقوى من الزمن نفسه.

قال سمنخت: ما أسهل أن تموت من أجل حقيقتك، ولكن هل تعرف كيف تضحي من أجلها يا كاي نن؟ أكتب شعرًا.

ثم (محاور الجبل) تقضي ليلة عجيبة مع أبطالها في عالم مختلف تماما عن (أنا الملك جئت) و(محاكمة) الكاهن كاي نن.

ثم ننتهي بـ(في حديقة غير عادية) تلك القصة التي تبدو لك بسيطة لكنها بنفس البساطة تبقي من أقوى قصص بهاء طاهر القصيرة.

(ماذا سنفعل الآن يا لوك في هذه الدنيا الجميلة)

(ثم من ورائي كنت أسمع صوت المقبض المعدني وهو يدق علي الرصيف بصوت رتيب.. تراك.. تراك.. تراك.. فتوقفت).

 

في (ذهبت إلى شلال)

 

الصادرة عام 1998، احتوت على مجموعة مختلفة من القصص.. القصتان (فرحة) أو (ذهبت إلى شلال) و(أسطورة حب).. هما مختلفتان تماما عن باقي المجموعة يبدوان فعلا أسطورتين لتخليد فكرة ما.. الأجواء العامة تشبه لحد كبير (أحلام الناي) هيرمان هسه.

النهاية التي لا تنسي في أسطورة حب (وكان ذلك قبل أن أسمع فوق رأسي الضحكتين ودون أن أقوم من مكاني كانت تترجرج فوق سطح الماء صورة لوجهين متداخلين.. وكانت سنارة الصياد في رقبتي وكان جلباب أبيض يلفح وجهي).

والأمر نفسه في ذهبت إلى شلال حيث الحالة الخاصة

(ضممتها إلي وكأني أريد أن أدخلها في جلدي.. كأنني أريد أن نصبح واحدا.. أنا وهي والشلال).

ولكن هو.. (الأبد).

تلك الأمنية العزيزة حين يكون الأبد هو لحظتنا الأثيرة.. واتساق أخير مع الحبيب ومع الكون كله.. أنا وهي والشلال.

ثم تأتي بقية القصص، محاولة لجلب الذكريات والأسئلة ونظرة إلي الماضي في النهايات حيث لا يبقى في القلب والروح إلا ما كان حقيقيا وتنزوي كل الأكاذيب والسنين الخادعات.

في (ولكن…)

حيث محاورة قصيرة وعميقة بين عائد من الخارج وسائق تاكسي يؤرقه الحنين إلى ماض قريب نعم، لكنه ولى.. يرواغ بها إلى أقصى حد فلا تعرف هو يتبنى أي شعور اتجاه عبد الناصر، شعور السائق المفعم بالحب والولاء أم هذا العائد المتحير والمرواغ لنا وللسائق في نفس الوقت.

 

بالأمس حلمت بك

 

أولا يبدأ تلك المجموعة بالقصة الغريبة التي حيرتنا جميعا وعلقتنا بالكاتب حد الجنون.. ذلك العنوان الذي يغلفه غموض وقوى جذب لا تخضع لقوانين الفيزياء، بل بسحر ما.. من منا لا ينتبه عندما يخبره أحدهم أنه (بالأمس حلم به).

هي تصنف قصة قصيرة، لكنها بطريقة ما هي رواية كاملة الأركان مضغوطة في يديك كهدية ملفوفة بعناية، لكن كلما فتحتها كلما داهمك حجمها، وكيف اختزلت في ذلك الصندوق الصغير.. مثلها تماما مثل (أنا الملك جئت).

هي رواية.. بتأملك الشديد بها.. بتعلقك الغريب بها.. بالعنوان وبكل كلمة وردت فيها.. بمشاعر الغربة.. اليأس.. الثلج.. الغربان.. الصوفية.. غادة الكامليا.. موسيقى فيردي.. السحر.. ملائكة تتعذب ونهاية مؤلمة.

النافذة تشبه نفس أجواء (الخطوبة) الشعور بالتورط شيئا فشيئا.. الصورة التي تتفتح قليلا قليلا.. تتوحد مع البطل وتتصاعد أنفاسك.. مأخوذا.. مرتبكا.. متورطا ثم مخذولا.

فنجان قهوة مع سمير وليلي ومدحت.. لن تتخطاه بسهولة رغم بساطة الموضوع.

سندس.. القرية تحضر لك كاملة، وإن عشت في ريف يوما ما، ستفهم تماما أن الأجواء تكاد تكون منقولة كما هي.. حركة الضوء والظل حتي الكتاكيت في صحن الدار.. وأدمغة الناس.. مخاوفها ورجاءاتها.

نصيحة من شاب عاقل.. كيف يمكنك أن تنسي (عم خليل) لو كان يريد المال لشراء الأفيون أو لأذى في صدره.. في الحالتين مسكين يا عم خليل.. أوقعك إهمالك في بئر المزايدين المختالين.. يستحق رغم كل شيء الرثاء والحزن مع إلحاحه المقيت وإصراره المعدوم من الكرامة.. أي كرامة تبقي مع الكيف الذي يورث السؤال والذل.

(كنت صغيرا هكذا وكنت تأتي لتشتري الجرنال لبابا.. عمي خليل.. الأهرام.. أتذكر؟)

 

وأخيرا (لم أكن أعرف أن الطواويس تطير)

 

لتبادره دائما برد سريع (ولا أنا كنت أعرف أن الطواويس تطير).. لكن.. تطير لمرة أخيرة.. نعم شاخت ولم يعد هناك ثمة زهو، ولكن باقي قوة وكبرياء لاستعراض أخير يبهرك.. حتي لو نظرت بواقعية في الأخير، واستسلمت لشبكة رجال الأمن.. لكنها وصدق أو لا تصدق في هذا العمر، ورغم كل الخذلان فعلتها الطواويس وطارت.

الزمن واضح جلي في تلك المجموعة يوجزه لك العنوان وتفصله لك القصص لاحقا.. الجد المستسلم مذعنا لشخصية البطل الصغير كأي جد يشعر بالحب والضعف أمام تلك الكائنات الصغيرة جدا والقوية جدا.. تذكرك القصة الأخيرة بنفس أجواء (في حديقة غير عادية) من المجموعة القصصية (أنا الملك جئت)

قطط لا تصلح.. ربما، لكن ربما تصلح لصحبة كافية في مكان مهجور.

وغالبا ما تسأل نفسك إن كنت من قراء بهاء طاهر: هل يشعر الجميع بالغربة والوجع كالبطل، هل هذا هو ما علقنا به في الأساس.. إننا نفهم حزنه لأننا يحتوينا مثله، ولأنه يقول في بساطة ما يقال في ضمائرنا على غير قدرة على البوح والصياغة.

هناك دائما خطوط عريضة تمسك التفاصيل الدقيقة المختزلة في الحكاية فتجمعها جمعا، وتصوغها في النهاية كتحفة فريدة.. الغربة والشعور بها.. صعوبة التواصل مع الآخر، ولحظات تنفك فيها العقدة وندرك كم نحن قريبون.. جروح مدفوع بها البطل ونوايا سليمة تورطه، إنسانية شديدة لا يتحملها ذلك العالم الذي يغلب عليه المصلحة والأنا.

بهاء طاهر كاتب لن يبهرك في البدايات، ولن يفاجئك في النهايات هو فقط سيسري فيك ويمر خلال روحك بهدوء وثقة ليتركك وقد انتهيت من القراءة، وقد انتهي منك أيضا، أثر فيك أبلغ تأثير، وحتى وإن غادر بأناقته المعهودة يعرف جيدا أنه باق في التذكار.

الاقتباس الأخير من (بالأمس حلمت بك) والذي يلخص كل أسباب تعلقنا بالأدب عامة، وببهاء طاهر خاصة:

(من تكون لنا غادة الكاميليا، ومن نكون لها حتى نحزن كل هذا الحزن لأجلها).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد