خلق الله الناس مختلفين متفاوتين في مقدار حكمتهم وشجاعتهم بيد أن النفس ترمي من هو أعلي منها عقلا أو شجاعة فيصفوه بما ليس فيه حسدًا وحقدًا، ولعل نموذجنا هذا حالة فريدة يصعب الحكم عليها تارة ويسهل تارات فمن منا لم يسمع عن بهلول (المجنون) كما وصفه أهل بغداد ومن منا لم تطربه مشاكساته مع هارون الرشيد.

أبو وهيب بهلول الكوفي لقبه الناس بالمجنون، وأسندوا إليه من المواقف، بعضها صحيح والبعض الآخر هو منه براء، لكن السؤال الأهم: لماذا وصفه الناس بالجنون؟

المجنون عند الناس نوعان من يسب ويخرق الثوب أو من يخالف عاداتهم فيجئ بما ينكرون ولم يعرف عن بهلول خرق الثوب ولا سب الناس في الطرقات، لكنه عرف بالثانية فجاء بما خالف الناس وطباعهم في التملق للحكام والجلوس على أبوابهم طلبًا للقمة واللقمتين، ولم يقل مقالة يعز بها ظالمًا متجبرًا ويذل بها ضعيفًا.

ولقد كان هارون الرشيد مهيبًا شديدًا يخشاه الناس وترتعد فرائسهم حين يزأر، ولعل ما فعله بالبرامكة وأبناء عمومته الطالبيين قد جعل الناس أكثر رعبًا وخشية منه، لكن بهلول صمد، ولم يخش الظن الذي كان أخذ الناس به أمرًا دائرًا تلك الأيام، ولقد ذكر النيسابوري في عقلاء المجانين فقال: (خرج الرشيد إلى الحج، فلما كان بظاهر الكوفة، إذ بَصُر بهلولًا المجنون وخلفه الصبيان وهو يعدو، فقال: من هذا؟ قالوا: بهلول المجنون، قال: كنت أشتهي أن أراه، فأدْعُوه من غير ترويع، فقالوا: له أجب أمير المؤمنين، فلم يستجب! فقال الرشيد: السلام عليك يا بهلول، فقال: وعليك السلام يا أمير المؤمنين. قال: كنت إليك بالأشواق، قال: لكني لم أشتق إليك! قال: عظني يا بهلول، قال: وبمَ أعِظُك! هذه قصورهم وهذه قبورهم! قال: زدني فقد أحسنت، قال: يا أمير المؤمنين من رزقه الله مالًا وجمالًا فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار. فظن الرشيد أنه يريد شيئًا، فقال: قد أمرنا لك أن تقضي دينك، فقال: لا يا أمير المؤمنين لا يُقضى الدين بدين؛ اردد الحقَّ على أهله، واقض دين نفسك من نفسك! قال: فإنا قد أمرنا أن يجرى عليك، فقال: يا أمير المؤمنين أترى الله يعطيك وينساني؟ ثم انصرف!

وهكذا كان بهلول دومًا يطلق كلماته كالصواعق، وشعره كالمطر، ولقد أنشأ يقول:

يا من تمتع بالدنيا وزينتها … ولا تنام عن اللذات عيناه

شغلت نفسك فيما لست تدركه … تقول لله ماذا حين تلقاه

ترى هل يصف الناس رجلًا وقف أمام سيل هادر بصبر وتثبت أنه عاقل؟

الناس إلا ما رحم الله يحبون التذلل والانحناء وهم إلي كل نذل أميل إن كان في مقاربته نيل أمواله أو بعض من جاهه وحسبه وسلطانه ولا يدركون عواقب ما يسعون إليه فمن قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ولئن كان هارون صالحًا حليمًا في بعض تصرفاته، تقيًا كما وصفه الناس، يحج عامًا ويغزو عامًا، ويصبر على الرعية، ففي زمننا ملايين حجاج الثقفي، يسبق سيفه لسانه، وغضبه حلمه، ولا يرعى للناس ذمة ولا حرمة.

وكم ادعى الناس بالجنون على قوم وقفوا لا يخشون في الله لومة لائم، فآذوهم وقاتلوهم وربما قتلوهم، وإن كان في قلوب العامة من ينكر الباطل، ففي فعلهم ما يزيد الظالم طغيانًا، وما يضيع به حق الضعيف.

فهل يكون المجنون إلا من اشتري الفانية بالباقية، ثم صلى وقال الله أكبر، وفي قلبه السلطان أكبر، ثم قام من ركوعه، فقال سمع الله لمن حمده، ثم سبح بحمد السلطان، إن الإسلام قد نزع من البشرية الخوف، إلا من الله والرجاء، إلا إليه، بدلًا عن أن يلجأ الناس لمن لا يزيد الفقير إلا فقرًا، والغني إلا جشعًا، ثم يأتي بهم جميعا ليقفوا أمام الله عز وجل ليحاسبهم كلهم سواسية، لا ملك سوى الله.

إن كان بهلول مجنونًا حقًا، فإن في مجتمعاتنا ملايين من (بهلول)، في نظر الناس مجانين، لكن هؤلاء العقلاء عرفوا حقيقة الدنيا؛ فأنزلوها منازلها، وعلموا أن الله أحق بالخشية، وأن العبد عبد، ولو كان سلطانًا، وأن الله يرفع العبد الفقير، وهو في أدنى الأماكن فقط؛ لأنه انتسب له، وأن الإنسان إذا استحضر عظمة الله في قلبه لم يخش مخلوقًا؛ لأن الخالق معه، وإن تبتل لله أغناه عن طلب العون من الناس، ومن عظم الله في قلبه صغر الله شأو الناس وسياطهم في عينيه؛ فصارت أمامه كعصي سحرة فرعون هينة لينة أمام ما تلقفه عناية الله/ إن عزة وكبرياء الدين جعل عبد الله بن حذافة السهمي هذا الفقير الضعيف يقف أمام أكبر ملوك الأرض عتادًا وعدة وهو ثابت مرفوع الهامة كالجبال الرواسي، وهو من جعل ابن المسيب يقف أمام الحجاج يزأر بالحق رافعًا هامته عاليًا، وهو على علم بأن مقتلته فيها.

ولقد ذاق الناس البلاء حين ظنوا أن الأمور تجري بما يقدرونه، لا بما يقدره الله، فقاربوا كل فتنة، وابتعدوا عن كل معروف، فما زادوا عن الله، إلا بعدًا؛ فأراهم آياته مرارًا وتكرارًا؛ فآثروا هواهم؛ فأذلهم الله بذنوبهم، فارفع صوتك، ولا تطأطئ رأسك طأطاة الكلب حين ينظر لذنبه، واعلم أن الله أعلى وأكبر، وتعلم أن تطلب حاجتك بعزة نفس، فلن تنال إلا ما قدره الله لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد