“إنه اتفاق تاريخي تتحقق به نبوءة هرتزل بشق قناة البحرين”، كان هذا جانبًا من تصريحات الوزير الإسرائيلي سيلفان شالوم بعد توقيعه – ممثلًا عن إسرائيل- اتفاقية لبدء مشروع قناة البحرين مع وزير المياه شداد العتيلي ممثلا عن فلسطين ونظيره الأردني حازم الناصر.

 

تتضمن الاتفاقية التي تم توقيعها في واشنطن برعاية البنك الدولي في ديسمبر/ كانون الأول 2013 لمد أنبوب مياه طوله 180 كم بين البحرين الأحمر والميت، في محاولة لإنقاذ الأخير من الجفاف، إضافة لإقامة محطات تحلية للمياه المالحة تستفيد بها الأطراف الثلاثة في الشرب والزراعة، وكذلك بحث إقامة محطات لتوليد الكهرباء.

 

وفقًا لما كُشُف عنه النقاب فإنه من المفترض ضخ مياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت تبلغ في البداية نحو 100 مليون متر مكعب، في محاولة لمنع جفاف البحر الميت، بما لا يؤثر على التوازن البيئي في البحر الذي يخدم المنطقة علاجيًّا وسياحيًّا، غير أن مياهه تتناقص سنويًّا، ويتعرض للجفاف يومًا بعد يوم، وقدرت الدراسات البيئية أنه إذا استمر الأمر على هذا النحو فإن البحر الميت معرض للجفاف التام بحلول عام 2050.

 

ممثلوا فلسطين، الأردن و إسرائيل خلال توقيع إتفاقية المشروع

ومن جانبه؛ صرح وزير المياه الفلسطيني شداد العتيلي أن الاتفاقية تثبت في حد ذاتها إمكانية العمل المشترك رغم تقلبات العملية السياسية ومفاوضات السلام، مُشيرًا إلى أن ذلك من شأنه تغيير الواقع السياسي في المنطفة، نافيًا أن تكون الاتفاقية متعلقة باتفاقية أوسلو.

 

وذات الأمر عبّر عنه سيلفان شالوم – وزير البنى التحتية والطاقة والمياه والتعاون الإقليمي- حيث اعتبر أن توقيع الاتفاقية مع الأردن وفلسطين بمثابة عيد، وهذه الاتفاقية تصب في صالح سكان المنطقة، حيث تنقذ البحر الميت، وتوفي حاجة السكان من المياه المُحلاّة والكهرباء، إضافة للتعاون الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي بين الأطراف الثلاثة.

 

ونفى وزير المياه الأردني حازم الناصر أن تكون الاتفاقية سياسية، معتبرًا أنها اتفاقية ذات طابع إنساني لصالح سكان المنطقة، خاصة وأن الأردن من أكثر دول المنطقة والعالم افتقارًا للمياه العذبة.

 

 

مخطط قناة البحرين وفقا لدراسات البنك الدولي

مشروع القناة

 

يقضي مشروع قناة البحرين، أو قناة البحر الميت، بشق قناة تربط بين البحر الميت والبحر الأحمر الذي يرتفع فيه منسوب المياه بفرق يصل إلى 400م، مما يسمح بتدفق المياه من البحر الأحمر إلى الميت لمنع جفافه، وكذلك استخدام تدفق المياه في توليد الكهرباء، إضافة لإنشاء محطة لتحلية المياه المالحة في العقبة تنتج ما يقرب من 80 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب والزراعة.

 

وفقًا للاتفاقية ستحصل الأردن على 30 مليون متر مكعب من المياه، وسيتم ضخ نحو 50 مليون متر مكعب في بحيرة طبريا، تحصل منها فلسطين على 30 مليون متر مكعب لموافاة احتياجات الضفة الغربية من المياه.

 

 

 

الأثر البيئي ما بين مؤيد ومعارض

 

 

قدرت الدراسات أن منسوب البحر الميت يتناقص سنويًّا بنسبة تصل إلى 120سم، وبالتالي فخطر الجفاف التام يقترب يومًا بعد يوم، وهو ما سيؤدي إلى مشاكل بيئية، وانتكاسة اقتصادية خطيرة، ومن ثم فإن إمداد البحر الميت بنسبة محددة من مياه البحر الأحمر سيساهم في منع جفافه، مما يعطي فرصة للاستفادة المثلى منه اقتصاديًّا في مجالات تحلية المياه وتوليد الكهرباء والزراعة والتوطين وإقامة مناطق سكانية ومنشآت سياحية.

ويرى المدافعون عن المشروع أن هذا الحل لا غنى عنه، لأن البحر الميت قد تناقصت مساحته بشكل كبير، مما يُسَرع بحدوث مشاكل بيئية واقتصادية، خاصة وأنه أحد المناطق السياحية المهمة، إضافة لما يحمله طميه من فوائد علاجية تجعل من منطقة البحر الميت مزارًا علاجيًّا وسياحيًّا.

في حين يعترض البعض الآخر من علماء البيئة والمياه والناشطين في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة على فكرة المشروع، لأن القائمين عليها من الأطراف الثلاثة لم يستنفذوا – في رأيهم- الوقت الكافي لدراسة متأنية لأبعاد المشروع بيئيًّا وجغرافيًّا، فربما تؤثر مياه البحر الأحمر سلبًا في مياه البحر الميت، خاصة وأن بعض الأبحاث التي أجريت بناءً على خلط نسب من مياه البحرين قد أثبتت نمو أنواع من الطحالب المائية في مياه البحر الميت بعد خلطها بمياه البحر الأحمر، بسبب عدم التوافق الكيميائي بين مياه البحرين، ويطالب كثيرون من معارضي المشروع بالكشف عما وراء الستار فيما يخص الإعلان عن هذه الاتفاقية التي ظهرت إلى النور فجأة، وتساءل أحد الناشطين الإسرائيليين في مجال البيئة عن خفايا المشروع معتبرًا إياه نوعًا من الهستريا، وليس – كما يروج له الساسة في إسرائيل- “اتفاقًا إقليميًّا تاريخيًّا”.

 

الخلفية التاريخية لقناة البحرين

 

في إطار الحديث عن الجوانب الاقتصادية والإنسانية والبيئية لمشروع قناة البحرين، لا يجب إغفال الخلفية التاريخية لمشروع كهذا في هذه المنطقة تحديدًا، فقد تبنى الفكرة البِكر لهذا المشروع الأميرال البريطاني وليم ألن (1792- 1864) في محاولة لإيجاد طريق مائي إلى الهند بخلاف قناة السويس التي كانت تحت سيطرة الفرنسيين آنذاك، وكانت فكرته اعتمادًا على اعتقاد ثبت خطأه أن مستوى البحر الميت لا يختلف عن مستوى البحرين الأحمر والمتوسط.

ظلت الفكرة تراود البريطانيين في محاولة لربط البحرين المتوسط بالأحمر، من أجل الاستغناء عن قناة السويس، لمنافسة الفرنسيين من جانب، ولربط أواصر الإمبراطورية البريطانية التي امتدت آنذاك حتى الهند من جانب آخر، وقد شرع في التخطيط لهذا المشروع مجددًا اللواء البريطاني تشارلز جوردون (1833- 1855)، والمُلقب بـ”جوردون الصين”، لكن الفكرة واجهتها مصاعب عدة، منها انخفاض مستوى الأرض في العقبة بالأردن، وصعوبة إخلائها من السكان، إضافة إلى خسارة مساحة كبيرة من الأرض الصالحة للزراعة.

قناة البحرين والنبوءة الصهيونية

 

في ثلاثينيات القرن العشرين ظهرت فكرة المشروع مجددًا على يد المهندس المعماري الصهيوني موشيه يتسحاق بلوخ (1893- 1949)، والذي عرضها على قادة بريطانيا آنذاك، في ظل مسعاها المستمر لإيجاد بديل لقناة السويس، وذلك بربط البحرين الأبيض والأحمر عن طريق الأردن.

منذ ذلك الوقت والفكرة تشغل الصهاينة، وصار حلم شق قناة منافسة لقناة السويس بمثابة هوس لدى قادة الصهاينة، حيث تبناها المهندس الصهيوني يونا قرمنتسكي (1850- 1934)، أحد المختصين في مجالات البنى التحتية والكهرباء، وأحد قادة الصندوق القومي الإسرائيلي لمدة خمس سنوات من عام 1902 إلى 1907، وهو الصندوق الذي تولى جمع أموال لبناء مستوطنات صهيونية على أرض فلسطين المحتلة.

كان قرمنتسكي أحد الأصدقاء المقربين لزئيف هرتزل، وقد انجذب الأخير لفكرة شق القناة بأية وسيلة، وتحدث عنها في كتاباته معتبرًا أنها فكرة استراتيجية واقتصادية دافعة لأهداف الصهيونية على أرض فلسطين.

لم تتوقف المحاولات الصهيونية الحثيثة نحو شق القناة، واستمرت الدراسات الإسرائيلية في التكثيف للخروج بمخطط شامل لمشروع قناة تربط البحرين الأبيض والأحمر لسحب البساط من قناة السويس، ولإقامة مشروع لتحلية المياه، وقد كان مهندس المياه الصهيوني سِمحا بلاص (1879- 1982) أحد المُهتمين بهذا المشروع، وتحدث عنه في كتاب له بعنوان “مصادر المياه في أرض فلسطين”.

 

 

غلاف كتاب سِمحا بلاص عن فكرة توصيل البحرين الأبيض والأحمر

 

 

 

 

وبعد قيام إسرائيل تفاقمت مشكلة مياه الشرب بين الكيان الصهيوني والأردن، خاصة بعدما نفذت إسرائيل “النظام الناقل للمياه”، والذي يقوم على نقل المياه العذبة من بحيرة طبريا إلى المناطق العطشى في جنوب الأرض المحتلة، فقامت الولايات المتحدة بالتدخل في الأمر وعرضت عن طريق مبعوثها إريك جونسون مقترحًا لتقسيم المياه بين الأردن وإسرائيل، وذلك عام 1955، وهو المقترح الذي لاقى قبولًا من الطرفين آنذاك، لكن الجامعة العربية رفضته لأن سوريا اعتبرت اتفاقًا كهذا بمثابة اعتراف بدولة إسرائيل، غير أنه ظل اتفاقًا معتمدًا وساريًا.

استمرت إسرائيل في محاولات مستمرة لإحياء منطقة النقب، كي تحقق أهدافها الاقتصادية بتهيئة المنطقة للاستيطان الكامل وإيجاد مصادر للمياه العذبة، إضافة للهدف الاستراتيجي الخفي الجلي، المتمثل في محاربة قناة السويس أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري، عن طريق مجرى ملاحي تجاري وعسكري تفرض به إسرائيل سيطرتها بشكل كبير على خليج العقبة، فتتمركز في نقطة استراتيجية بين مصر والأردن والسعودية، وتسيطر على طريق ملاحة تجاري دولي.

بعد سقوط حكومة العمل، ووصول الليكود لسدة الحكم في إسرائيل للمرة الأولى عام 1977، شرعت الحكومة اليمينة الجديدة في التخطيط للمشروع بشكل أكثر جدية وتصميمًا، حتى أقرت عام 1980 مشروعًا يقضي بشق قناة من تل القطيف قرب خان يونس إلى البحر الميت، وهو المشروع الذي اعتبرته الجامعة العربية آنذاك سطوًا على حقوق الشعبين الفلسطيني والأردني.

غير أن المشروع توارى لتكلفته المادية العالية، حتى ظهر مرة أخرى على السطح خلال ولاية أريئيل شارون في ثمانينيات القرن الماضي، واستمرت إسرائيل منذ ذلك الوقت في التخطيط للمشروع، حتى عام 1994 حيث التحول الدرامي في التوجه الأردني بالإعلان عن التفكير في تنفيذ مشروع ربط البحرين الأحمر والميت، ورغم أن الدول العربية قد أعلنت رفضها للمشروع، إلا أن عام 2004 قد شهد رفع الستار عن اتفاق مفاجئ بين الطرفين الأردني والفلسطيني يقضي بالبدء في التخطيط لمشروع قناة البحرين، وهو
الأمر الذي رفضته مجددًا الدول العربية لخطورته على منطقة البحر الميت، وتهديده للمصالح الفلسطينية.

 

بدا موقف الأردن غريبًا في إعلانها الاتفاق مع إسرائيل على هذا المشروع، فتحولها من الرفض للقبول يلقي بظلال ضغوط غربية على المملكة الأردنية التي تبدو وكأنها تتعامل مع الأمر بمنطق برجماتي صرف، من أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية المتمثلة في الحصول على المياه والكهرباء، إضافة إلى وضع حجر أساس لاتفاق سلام نهائي مع إسرائيل.

أما دخول الطرف الفلسطيني في الاتفاق فهو الأمر الأكثر غموضًا، فإعلان البنك الدولي دعمه للمشروع جاء خاليًا من تفصيلات كثيرة مهمة، على رأسها تداعيات هذا المشروع على القضية الفلسطينية، خاصة مع إعلان الولايات المتحدة مجددًا عن رعايتها لمفاوضات سلام بين فلسطين وإسرائيل، كذلك موقف فلسطين من رفض إسرائيل أن تتحكم السلطة في أجزاء قناة البحرين، وما هو موقف الجماعات الفلسطينية الأخرى من هذه الاتفاقية، في ظل حالة الانشقاق الفلسطيني المستمرة.

الإعلان عن اتفاقية قناة البحرين بدا وكأنه دعاية سياسية ذات طابع مسرحي غامض يخفي خلف الستار تفصيلات كثيرة، منها البيئية المتعلقة بمستقبل منطقة البحر الميت، ومنها الاقتصادية المتعلقة بالجدوى المنتظرة من المشروع، ومنها – وهو الأهم والأكثر غموضًا– التفصيلات السياسية والاستراتيجية المتعلقة بالتسوية السياسية والعلاقة مع أهم جارتين عربيتين – مصر والسعودية-، وهل المشروع اقتصادي بيئي كما يروج له أنصاره، أم له أبعاد أخرى تتمثل في التمركز الإسرائيلي العسكري في هذه المنطقة، وما هو مستقبل قناة البحرين؟

هل ستستمر إسرائيل في مسعاها لربط البحرين الأحمر والأبيض لتحقيق حلمها ونبوءتها الصهيونية؟

 

 

 

 

 

 

 


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد