أصبحنا في هذا الزمان كلٌ يعلن نفسه القاضي والحكم، بعضهم نصب نفسه إلهًا يبشر ويكفر، وغيرهم جعل نفسه قاضيًا يحكم ويفصل، وكلٌ يدعي أنه أوتي مفاتيح الحكمة وموازين الأحكام، ولكني أكتب اليوم عن الميزان الأخلاقي الذي يزعم الكثيرون أنه ملكهم فصاروا يصفون هذا بالخير ويصمون ذلك بالشر، وهذا المقال إنما نتاج بحث وتفكير وثمرة جهد وتدقيق.

كما أن الحلال والحرام هو مقياس أهل الدين، وكما هو القانوني وغير القانوني مقياس أهل التشريع الوضعي والقضاء، فكذلك ثمة مقياس لأولئك الذين يتناولون قضية الأخلاقيات وهو الصواب والخطأ أو الخير والشر.

فالأخلاق هو توصيف لكل ما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال، والأخلاق منها الحسن الطيب وفيها القبيح السيئ، ولكن حتى يتسنى لنا الحكم على هذه الأقوال والأفعال فلا بد أن تكون صادرة بمقتضى الإرادة الكاملة لصاحبها، بمعنى أنه لا ينبغي أن نصف هذا العمل بأنه أخلاقي من عدمه إذا كان فاعلها إنما جاء بها بشكل لا إرادي أو كرهًا وغصبًا، وكذلك ثمة قاعدة أخرى وهي أننا نحكم على الأفعال بالنية والقصد وليس بالنتيجة أو المصير، وهذا ما يؤول بنا إلى القول إن الحكم الدقيق ليس بمقدورنا وإنما الحكم لله فهو الذي يعلم النوايا ويطلع على الخبايا وهو الذي يجزي بها يوم الحساب.

ظل العالم زمنًا طويلًا في حيرة من هذا الأمر، متى يكون العمل صالحًا ومتى يكون طالحًا؟ والإجابة على هذا السؤال مرت بأطوار عديدة بدأت منذ العصور البدائية وانتقلت إلى العصور الحديثة، كان منها العادات والأعراف فما ائتلف عليه الناس وتعارفوا فهو الخير المحض وما هو خارج عن ذلك فهو الشر الذي يحسن تجنبه، بمعنى أن القبيلة التي اعتادت على الغزو والإغارة أصبح ذلك هو الصواب في شريعتها، لا يهم أكان القتال في سبيل حق أو باطل، ولكن هذا هو ميراث الأجداد فهو الصواب.

ثم تطور الفكر البشري إلى حد ما، فوصل إلى طور يسمونه (الوجدان) أي أن التصرفات التي تبدو مقبولة من الجانب العاطفي الوجداني فهي الصواب أي أنهم يرجعون الأمر إلى فطرتهم، ولربما كانت هذه الخطوة خطوة صحيحة في بداية الطريق. ولكن مع هبوط الوحي السماوي واعتناق البشر للأديان أصبحت الأمور أكثر وضوحًا وتنظيمًا.

ثمة مذهبان في التاريخ يدور حولهما الناس في فهم الميزان الأخلاقي: مذهب (السعادة) وهو الحكم على الأشياء من وجهة نطر ما ينتج عنها من السعادة أو الشقاء، بمعنى أن أفعال الخير هي التي تسبب السعادة وأفعال الشر هي التي تسبب التعاسة، ولكن وفق هذا المذهب فإننا ننتقل إلى موضع خلاف مشهور آخر وهو ما تعريف السعادة من الأساس! وهو سؤال بحاجة إلى بحث مستقل ولكن – إيجازًا – السعادة هي اللذة والمتعة، أي الأعمال الصحيحة هي التي يستتبعها شعور باللذة والارتياح ولكن بشرط أن حساب كم اللذة يتضمن ما يعود على الفرد والمجتمع والنتائج في الحاضر والمستقبل، بمعنى أن ما يسبب لذة للفرد وألمًا للمجتمع لا يعد صالحًا، وما يسبب لذة وقتية وندمًا مستقبليًا لا يعد صالحًا، وخلاصة هذا المذهب الأول أنه لابد للحكم الأخلاقي على الأفعال التجربة والملاحظة أي لابد من تجربة الأفعال أولًا ثم تقييم ما ينتج عنها من لذائذ وأحزان فيتسنى الحكم إذا كانت تؤدي إلى السعادة من عدمها ومن ثم يمكن الحكم بصلاح الأعمال من طلاحها. وأنا شخصيًا لا أرتاح لهذا المذهب إذ إن الحكم مرهون بالنتائج، فالتجربة في الماضي تختلف عن التجربة في الحاضر وباختلاف ظروف التجربة تختلف النتيجة، كما أن العامل البشري يجعل الحكم مختلفًا من شخص إلى آخر، فتقديري للنتائج يختلف عن تقديرك أنت.

والمذهب الثاني هو مذهب (البصيرة): أي أننا لا نحتاج للتجربة والحساب وإنما ثمة ضمير بداخلنا يمكننا عرض الأمر عليه ثم يوحي لنا ما إذا كان يتفق معها أم لا، فالكذب لا يقبله الضمير فهو غير أخلاقي بينما الصدق يحبذه الضمير فهو إذًا أخلاقي، وفي رأيي أن هذا المذهب خير من المذهب الأول.

كل ما سبق كان مختصرًا لمراحل التطور في مفهوم الميزان الأخلاقي، ولكننا قوم مسلمون وديننا العظيم قد كفانا مؤنة الخلاف، فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وجاء الرسول الكريم ليتمم مكارم الأخلاق، فالقرآن الكريم والسنة المشرفة دائمًا ما يصفان ما هو من شأنه خير البشر وصلاحهم فيدعوان إليه ويصفان كذلك ما هو من شأنه شر البشر وفسادهم فينهيان عنه، فمرجعنا نحن – المسلمين – أولًا وأخيرًا ما نزل في الكتاب وما ورد في الحديث، إذ إن الله الذي خلق هذا الكون أعلم بما يصلحه وما يفسده، حتى إن الأمور التي لم يرد فيها نص والقضايا العصرية الجديدة فتح فيها الدين باب
الاجتهاد والرأي والقياس كذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تأملات, رأي, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد