الاقتراب من الحقيقة هي أمل الباحثين عن المعرفة ممن يضربون في الأرض يبتغون فهمًا يساعدهم على تصور مثالي لمعنى الحياة، وطرائقهم في تحقيق هذا الهدف تباينت منذ استخدم الإنسان عقله للإمساك بتلابيب واقعه الذي يخاف مجاهله، ولمكافحة الخطأ في التقدير والتدبير ويحول بينه وبين أن يستوطن ذهنه، والتغير هو مبدأ الحياة الأساسي إذ لا شيء أزليٌّ ولا شيء خالدٌ، وفي كل مرحلة من مراحل الأشياء يوجد تناقض وتعارض لا يقوى على حله سوى صراع الأضداد، وبناء على هذا فكل حالة فكرية هي حق وقت تماسكها المنهجي مع أنها ستزول بظهور نقيضها، وكما أن الوحدة هي هدف التطور الذي ينتج عن جدلية صراع الأضداد فإن النظام هو اللازم الأول للحرية.

وعي الإنسان ليس كيانا ناجزا ومعطى جاهزا بل هناك مخزون هائل من التجارب التاريخية التي ساهم تراكمها الكمي – عبر العصور – في إحداث تغيرات نوعية في إطاره الذهني الذي يفسر من خلاله الكون والإنسان والعالم، وإذا كانت هذه الحقيقة ماثلة للعيان في مجال الفكر والفلسفة والعلوم إجمالا فإن الأمر لا يختلف كثيرا في مجال السياسة، لأنها تستجيب بشكل أو بآخر إلى الإطار الذهني الذي يحمله العقل الإنساني حينما يقوم بعملية إنتاج الأفكار.

مراحل تطور الوعي البشري
في البداية – عندما أشرقت علوم اليونان بوهجها الساطع – سيطرت على شعوب العالم طريقة في التفكير يطلق عليها “المنطق الصوري” يعتمد اعتمادا تاما على الاستدلال الذهني والتأمل العقلي المحض، وقواعده تهتم بدراسة قوانين الفكر مجردة عن أي مضمون، وينتهي إلى نتيجة في الصورة مستقلة عن الموضوع والمادة، ولهذا اصطبغ التفكير في تلك العصور بصبغة معيارية.

وبعد محاكمة غاليليو الشهيرة تشكلت طريقة جديدة في التفكير تعتمد على التجربة والملاحظة العملية في مناقشة التصورات النظرية كأسلوب منهجي لاختبار صحتها، فـ”المنطق الصوري” لا يسمح لنا بالاكتشاف لأن القياس لا يعلمنا شيئا جوهريا جديدا في غياب المادة، والنتيجة إذا كانت جزءا من المقدمة فلا معنى لتكرارها، فالفكر هنا لا يتقدم من حالة إلى أخرى، والتجربة وحدها هي التي تسمح بالتقدم وهي التي تعطي الفكر قوته وحيويته الاستدلالية، ولهذا السبب نستطيع القول أن طرائق التفكير بدأت تنطلق من الواقع وتتجه نحو منحى يجعلها أكثر موضوعية.

وفي العصور الحديثة أحدثت أبحاث عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين ثورة معرفية أغرت الكثيرين بإنتاج منهجية جديدة في إنتاج النظريات العلمية وذلك عن طريق إزاحة المبدأ الثلاثي (الاستقراء – التجربة – الملاحظة) وإحلال مبدأ ثلاثي جديد (المشكلة – إيجاد الحلول – الاستبعاد) فالعلم من منظور هذه الرؤية أصبح معنيا بتكوين قدرة تفسيرية لأي نظرية علمية بناء على طبيعتها الإمبريقية (أي: فئة القضايا التي تستبعدها النظرية) ومحتواها المنطقي (أي: فئة القضايا التي يمكن اشتقاقها من النظرية) وتماسكها البنيوي (أي: صمودها أمام اختبارات التكذيب)، ومن هنا أصبح التفكير العلمي أكثر واقعية في نظرته للعالم لأن العلم بطبيعته هو نسق منتج من أفكار بشرية، والنظرة الواقعية للعالم هي السبيل الأفضل للرؤية الإنسانية التي تمهد الطريق لحياة مليئة بالمحبة والسلام بين بني البشر.

وبناء على التحولات التاريخية للإطار الذهني في التفكير البشري المذكورة أعلاه في عرض بانورامي سريع، وفي ضوء المنجزات الفكرية العظيمة التي أنجزها العقل الإنساني في عصرنا في علوم السياسة والاقتصاد والمجتمع والأتنوغرافيا؛ سأحاول – باختصار شديد – مناقشة إشكالية خطرة في العقل الإسلامي تتلبس الوعي الجمعي للمسلمين في العصر الحاضر تحت مسمى “جدل الدين والسياسة” والتي تجسدت كـ”أزمة وعي” مزمنة منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، والمتأمل في كتابات من أشعل هذه الأزمة في وعي المسلمين يكاد يقطع جازما بأن الإطار النظري المستخدم في صياغة الإشكالية محل النظر لا ينتمي بحال إلى الواقع الجديد الذي أنتجته النهضة الحضارية المعاصرة.

تأثير التطور الفكري على فلسفة السياسة
يلاحظ القارئ للتاريخ أن الصبغة المعيارية “الوصفية” لتفكير الشعوب قديما قد أثرت بشكل غير مباشر في فهمها للشؤون السياسية، فعلى سبيل المثال؛ تبدأ دورة الحكم في الفكر السياسي لدى فلاسفة الإغريق بـ”الأرستقراطية” أي سيطرة النخبة على مقاليد الحكم وتسييرهم لمصالح الناس، فإذا انهارت لسبب ما حلت محلها “التيموقراطية” حيث يسيطر الجند على السلطة، وعندما يشتد استبدادهم ينقلب عليهم أصحاب المصالح من التجار ليؤسسوا لـ”الأوليغارشية” أي الحكم الإقطاعي الذي يحتكر الثروات ويحرض الضعفاء على الثورة عليها لإحلال “ديمقراطية غوغائية” تتميز بالفوضى وانفلات الأمور نظرا لغياب النخبة، وهذه غالبا ما تنتهي بإمساك فرد قوي بزمام الأمور ليؤسس لـ”التيرانية” أو حكومة طغيان قد تستمر لفترة زمنية طويلة قبل أن تعود الكرة مرة أخرى إلى ملعب النخبة لإعادة “الأرستقراطية” من جديد!

والتصور الدائري لحركة التاريخ موجود أيضا في مقدمة ابن خلدون عند تقريره لمراحل قيام الدول وسقوطها حسب الأطوار الاجتماعية لنمط حياة حكامها، في غياب واضح لمفهوم المشاركة الشعبية والرقابة التنفيذية والتمييز بين السلطات، فأفق الوعي في ذلك الزمان لم يكن يتجاوز “المنطق الصوري” في فهم العملية السياسية وتحليل إطارها دون مضامينها، واستصحاب إمكانية تغيير طبيعتها “تجريبيا” أو فحص مشاكلها “بنيويا”، من خلال تحوير منطقها الداخلي للخروج من قفص “خليفة الله في الأرض” أو “ظل الله في أرضه” أو غيرها من الأسماء التي عطلت توجيه سهام النقد إلى ذات المسمى وشرعيته، وجعلت الجميع أسرى هذا القفص العقلي اللامرئي!

وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حاول مجموعة من رجال الدين المسلمين الخروج من قفص الإطار الذهني للعصور الوسطى، وذلك ابتداء بالإشادة والثناء على النموذج الغربي في التربية والتعليم والسياسة (رفاعة الطهطاوي) مرورا بنقد النماذج القائمة ومحاولة تجاوزها (جمال الدين الأفغاني) وانتهاء بمحاولة نسف المفهوم التقليدي للحكم من الجذور(علي عبدالرازق)، وأسفرت تلك المحاولات عن تقدم نوعي لم يلبث أن تعرض لـ”انتكاسة”! حيث تغلب النسق السائد ذو الإطار الذهني القروسطي نتيجة أسباب مختلفة.

تغيُر الإطار الذهني لرجال الدين في أوروبا أنتج حركة اجتهاد لاهوتي مستنير ساهم في إنقاذ شعوبهم من قبضة حملة “صكوك الغفران”! وتغير الإطار الذهني لعلماء الطبيعة أطلق حركة بحث علمي تجريبي ساهم في تحرير وعي الناس من قبضة “الخرافة” والتصور الميتافيزيقي للطبيعة! ولم تكن هذه الإنجازات بلا تداعيات أو آثار جانبية على الإطار الذهني الذي يحمله الناس في رؤيتهم للسياسة.

فقد تشكلت فلسفة جديدة تمكَّن من خلالها المفكرون من إنشاء مفهوم جديد لصيغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم (كتاب العقد الاجتماعي لـروسو) وأيضا لطريقة عمل الدولة كسلطات منظمة ومستقلة عن بعضها (روح القوانين لـمونتسكيو) إضافة إلى الاستجابة الشعبية في صورة ثورات شاملة (فرنسا، بريطانيا، أمريكا) وبهذا تجسد التغير الكلي لطرائق التفكير في منجزات عملية على أرض الواقع، كان من أهمها ميلاد مفهوم دنيوية الدولة أو “علمانية الحكومة” بمعنى حياديتها تجاه المواطنين ومعتقداتهم.
مشكلة العلمانية في المجتمعات التقليدية
يؤكد الدكتور جورج طرابيشي أن قابلية “العلمانية” لمجموعة من القراءات الخلافية تعود إلى جدتها كظاهرة وإلى اتساع مفهومها وقابليته للتحميل بمعان وقيم متباينة، فضلا عن أن تضخم الظاهرة وتعدديتها دلاليا تؤهلها لأن تتخذ ركيزة ازدواجية وجدانية، وبالتالي تعرضها لقراءة ثنائية ترتكز على المشاعر والأحكام المعيارية أكثر منها على المعرفة، وتتعاطى معها بالتالي بمفردات الخير والشر والحب والكره، ومن هنا فإن كل متحدث في العلمانية ملزم بأن يحدد أولا ما يعنيه، وتطورات العولمة في البلاد العربية قد تسببت في رؤية مضطربة لها – ظاهرة ومفهوما – فتسببت في انزلاق بعض المثقفين من رفض العولمة إلى رفض العلمانية وفلسفة الحداثة المصاحبة لها بالضرورة.

والطرح التقليدي لإشكالية الدين والسياسة يتجاهل بشكل صارخ أن العلمانية ليست ضد الدين كمعطى روحي وقيمي ولكنها تتجاوزه في نطاق التشريع لأن سعادة الإنسان ورفاهيته هي منطلقها المقاصدي الأول، وهي منتج إنساني بامتيازعارضته جميع ثقافات العالم القديم واعتبرته شرًا في بادئ الأمر، ففي الثقافة الهندية ومنذ صعود حزب بهراتيا جناتا ظهر جدل فكري بعنوان(العلمنة والهندوقتا) يشبه الجدل العربي حول الليبرالية والإسلام (والعجيب أن الوضع الاجتماعي للمرأة في المجتمع الهندي هو محور بارز في هذا الجدل الرافض للعلمانية بدعوى الحفاظ على تقاليد المجتمع!).

وفي اليابان اخترع المعارضون لعلمنة المجتمع مصطلح “سيزوكوكا” وهو يشبه من حيث إيحائه الأيديولوجي لفظة “التغريب” في أدبيات التقليديين! العلمانية كمسار للتطورالاجتماعي مرتبطة بالتصورات الحاكمة لثنائية الزمني والمقدس (الدين والدنيا) ولذلك اصطدمت مع الثقافات السابقة، لكنها لم تلبث أن اعتنقته عن قناعة تامة بعد أن غيرت مشاريع التحديث القومي إطارها الذهني في التفكير ومفهومها للحياة والعالم من حولها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد