في اليوم الأخير من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1917، كان وايزمن ينتظر النص النهائي خارج مكتب بلفور وعندنا جاءه النص قيل له: «إنه ولد» وكتب وايزمن لاحقـًا: «لم أعجب بذلك الولد في البداية، لم يكن كما توقعت»، لكن الأمر لم يهم الحركة الصهيونية كثيرًا لأن التفاهم على معنى التصريح كان متكاملًا مع البريطانيين ولأن الحركة الصهيونية لم تهتم يومًا بالأوراق، إنما اعتبرت أي وثيقة مفتاحًا لتطبيق ما تريد على الأرض حتى لو لم يذكر أصلًا في الوثيقة.

في اليوم نفسه حصل وايزمن على مسمى في الحركة الصهيونية فأصبح رئيس الاتحاد الصهيوني البريطاني الذي سيستلم رسالة تصريح بلفور، أي أن وايزمن الذي شارك في صياغة التصريح من البداية حتى النهاية وهو المرسل والمستقبل للرسالة.

بيد أن هناك وثيقة تعود لعام 1923 تكشف عن اجتماع للحكومة البريطانية، وتم الإقرار أن المساهمين الرئيسيين في صياغة تصريح بلفور كانوا:

بلفور وسايكس ووايزمن وسوكولو ومن خلفهم روتشيلد، وهذا يعني أن نص تصريح بلفور كان عملًا جماعيًّا شارك فيه العشرات من الصهاينة المسيحيين واليهود من البريطانيين والأوروبيين والأمريكيين، ولا يستطيع أحد أو حتى مجموعة من الأفراد ادعاء أنهم وحدهم من كتب نص التصريح في مسوداته أو بصيغته الأخيرة الذي يحتوي على 67 كلمة هي:

وزارة الخارجية

الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جدًا أن أبلغك بالنيابة عن حكومة جلالته التصريح التالي الذي ينطوي على التعاطف مع آمال اليهود الصهاينة والذي قدم وتمت الموافقة عليه من الوزارة.

«إن حكومة صاحب الجلالة تنطر بإيجابية لتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستستخدم أفضل الوسائل لتسهيل تحقيق هذا الهدف.

مفهوم بوضوح أن شيئًا لن يحدث مما يمكن أن ينتقص من الحقوق المدنية أو الدينية للمجتمعات الحالية غير اليهودية في فلسطين، ولا الحقوق والمكانة السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر».

وسأكون ممتنًا إذا ما أعلمتم الاتحاد الصهيوني بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

الأفكار الرئيسية لتصريح بلفور

كان نص تصريح بلفور يحمل خمس أفكار رئيسية هي:

1- الصهيونية اليهودية، وليست اليهودية هي حليف بريطانيا ممثلة بالاتحاد الصهيوني البريطاني.

2- فلسطين هي الكيان الجغرافي.

3- بريطانيا ستستخدم كل قوتها لتحقيق استعمار فلسطين صهيونيًّا.

4- الترويج بأن غير اليهود في فلسطين ليسوا أغلبية ولا وزن لهم ولا حقوق سياسية، فقط حقوق مدنية ودينية.

5- لليهود داخل فلسطين حقوق سياسية وكذلك في أي دولة يعيشون فيها.

فور إصدار التصريح أصبحت الصهيونية هدفًا رسميًّا لسياسة بريطانيا الخارجية، فبعد خمسة أسابيع من إصدار التصريح سيطرت بريطانيا على فلسطين عسكريًّا.

بتاريخ 4 نوفمبر رد روتشيلد برسالة على بلفور جاء فيها:

أن روتشيلد يشكر بلفور بشكل شخصي على اهتمامه وعلى الجهد والتعب الذي قام به وأن «عشرة ملايين» يحملون الجميل لحكومة بريطانيا أنها فتحت الباب من خلال رسالتها بالأمن والراحة لأعداد كبيرة من البشر المحتاجين لهذا، وأن هذا التصريح يأتي مع تجدد المجازر لليهود في روسيا.

يحاول التوثيق الصهيوني تهميش رسالة رد روتشيلد على بلفور بسبب الكذب الواضح فيها من ذكر رقم «عشرة ملايين»؛ لأن غالبية اليهود في ذلك الوقت كانوا ضد الصهيونية وضد تصريح بلفور، ولأن الأمن والراحة الموعودين لليهود نشأت بالتوازي ونتيجة لهما ذعر وشتات لغير اليهود في فلسطين.

انتشر تصريح بلفور بعد أسبوع في الصحف البريطانية والأمريكية في 9 نوفمبر 1917، وفور ذلك استغلت بريطانيا تصريح بلفور في دعايتها النفسية خلال الحرب العالمية الأولى، وأسست دائرة المعلومات قسمًا خاصًا للتأكد من انتشار الخبر عن تصريح بلفور وكانت الطائرات البريطانية ترمي مناشير باللغة اليديشية فوق ألمانيا والنمسا حول تصريح بلفور بهدف تشجيع اليهود في تلك الدول لوقف قتال الحلفاء، جاء فيها:

ساعة خلاص اليهود قد جاءت، الحلفاء سيعطون أرض إسرائيل لشعب إسرائيل، هل ستنضمون وتساعدوا في بناء وطن لليهود في فلسطين؟ توقفوا عن قتال الحلفاء الذين يقاتلون من أجل كل اليهود، انتصار الحلفاء يعني عودة الشعب اليهودي إلى أرض صهيون».

وقد أرسل التصريح عبر الكيبل من مكتب الحرب ومكتب وزارة الخارجية للجماعات اليهودية في أقاصي الأرض وثمّنت الحكومة البريطانية وصول رسالة شكر من الدول الأوروبية وأخرى بأعداد كبيرة من الولايات المتحدة.

في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1917، أقيم احتفال في دار الأوبرا في لندن بمناسبة تصريح بلفور حضره 3000 شخص من الصهاينة وتخلل الاحتفال كلمات رئيسية لروتشيلد ومارك سايكس وهيربرت صموئيل وحاييم وايزمن وناحوم سوكولو وروبرت سيسيل، وقد اُفتتح الحفل بكلمة لروتشيلد قال فيها:

«نحن هنا لنشكر حكومة الملك، لقد مُنح الشعب اليهودي مكانته الصحيحة بهذا التصريح من واحدة من القوى العظمى».

ثم تحدث سايكس قائلًا:

«هذه لحظة فارقة في تاريخ العالم كله».

وهتف صموئيل «العام القادم في القدس».

وكذلك قال وايزمن «إن أنسى القدس تنساني يميني».

كان جليًا أن الصهيونية واضحة في أهدافها، وذكر أن اجتماع عُقد في منزل جاستر وحضره سايكس ووصف بالتاريخي، قال جاستر في خطاب له:

«نريد أن نؤسس في فلسطين كومونولث يهودي مستقل بالمعنى الكامل للكلمة، نريد فلسطين لتصبح فلسطين لليهود، وليس فقط فلسطين لليهود، نريد الأرض أن تصبح أرض إسرائيل، الأرض يجب أن تكون لنا»، وقال سيسيل حينها: «إن هذا أوج الجهد المشترك الذي يجب أن يؤدي إلى أن تكون أرض يهودا لليهود!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد