أثناء عقد مؤتمر الدول الأوروبية في لندن عام 1840 للقضاء على التوسعات الكبرى لوالي مصر «محمد علي باشا» في الشام والأناضول، والتي باتت تهدد مصالح الدول الاستعمارية، قدم اللورد «شافتسبري» مشروعًا على هامش المؤتمر إلى «بالمرستون» رئيس وزراء بريطانيا أطلق عليه «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، مطالبًا فيه أن تتبنى لندن فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولة خاصة بهم هناك، وتبنوا خلال المؤتمر مشروع قرار يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في النصف الجنوبي من سوريا، وفي العام نفسه أرسل «بالمرستون» برقية إلى سفيره في الأستانة يخبره «أن عودة اليهود إلى فلسطين قد اقتربت، وأن بريطانيا أصبحت هي المسؤولة عن تحقيق أحلام اليهود بتوطينهم في فلسطين». وبذلك كانت هذه المحاولات والدعوات والقرارات التوطئة الحقيقية لصدور تصريح بلفور في مقتبل القرن العشرين، والذي مهد بدوره الطريق لقيام المشروع الصهيوني لاحقًا.

كلما اقتحمتنا ذكرى وعد بلفور، وألقت بظلالها الأليمة على تاريخنا المعمد بدمع شقائق النعمان، اجتاحت قلبي ثورة عارمة على ذاك المأفون الساكنة روحه في قعر الظلام؛ فجريمته السياسية والقانونية والتاريخية ما يزال يقاسي ويلاتها الأليمة الملايين، ويخوض غمار حقارته وغدره أجيال اللجوء التي تطفح ذاكرتهم بمئات المذابح والمجازر على نخب ذاك المشؤوم. هي نذالة بالعرف السياسي، وجريمة بالمفهوم القانوني، وخطيئة بالمعنى التاريخي لا تغير مطاليب الاعتذار الخرقاء من حقائقها الماثلة للعيان، والجاثمة على القلوب والأرواح قيد أنملة.

لن نمل الكتابة عن هذا التصريح المشؤوم المخطوط بيد وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور، في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، وقدم فيه وطني فلسطين هدية للعصابات الصهيونية، في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تخسر جميع أملاكها لصالح الدول الاستعمارية؛ سيما بريطانيا وفرنسا، وتدب في أوصالها عوامل الضعف والوهن والتآمر، حتى أسماها مؤرخو وساسة تلك الحقبة «برجل أوروبا المريض».

كان لا بد للخلافة العثمانية أن تمرض، وتلقى مصرعها إلى الأبد في ظل رفض السلطان عبد الحميد الثاني بيع فلسطين لرئيس الوكالة اليهودية «ثيودور هرتزل» الذي قدم إلى إسطنبول في يونيو (حزيران) 1896، وحاول لقاء السلطان عبد الحميد الثاني لإقناعه بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين مقابل سداد ديون الدولة العثمانية بشكل كامل. لكن جواب السلطان كان فاصلاً وقاطعًا: «انصحوا هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يومًا؛ فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. ولكن التقسيم لن يتم إلا على أجسادنا». كان السلطان الحصيف يعلم أنه سيأتي اليوم القريب الذي تنتزع فيه فلسطين من جسد الخلافة العثمانية، وتسلم لليهود بالمجان؛ فالمؤامرات الداخلية والخارجية لاجتثاث الخلافة لم تخلد للاستكانة أبدًا، ومساعي الانقلاب عليه وعزله تجري على قدم وساق، فما أشبه اليوم بالأمس!

من يراقب مسير الأحداث ومجريات الحرب العالمية الأولى يجد أنه لا بد لليهود أن يغتصبوا فلسطين، ولا بد لبريطانيا أن تشرعن لهم هذا الاغتصاب السافر لحاجتها الملحة لأموال ونفوذ الجماعات اليهودية في العالم لصالح المجهودات الحربية في الميدان، وتراجع الأداء العسكري للحلفاء في الكثير من جبهات القتال آنذاك. كما كانت تطمع بريطانيا مساعدة اليهود في إقناع الرئيس الأمريكي «ويلسون» المنتخب مؤخرًا بدخول الحرب إلى جانب الحلفاء لتعويض الخسارة المتوقعة بانسحاب الثوار البلاشفة من الحرب والتي كانت بوادرها تلوح في الأفق، ورغم المحاولات الهائلة التي بذلتها بريطانيا من خلال الجاليات اليهودية في روسيا لإقناع البلاشفة بمواصلة الحرب إلى جانب الحلفاء، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، بل قام الثوار الروس بتسريب مؤامرة «سايكس بيكو» الموقعة بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام أملاك الدولة العثمانية، التي عدها العرب خنجرًا مسمومًا في خاصرتهم، وخيانة لتفاهمات «حسين مكمهون» بمنح الدول العربية الاستقلال وتقرير المصير بعد انتهاء الحرب.

آمن رئيس الوزراء البريطاني الجديد «ديفيد لويد جورج» ووزير خارجيته «آرثر جيمس بلفور» وغيرهم الكثير في الحكومة البريطانية، بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين، والاستيطان في أرض الميعاد تمهيدًا لعودة المسيح المخلص حسب نصوص وروايات العهد القديم، والعقيدة البروتستانتية التي أفرزت في المجتمعات الغربية ما يعرف بالمسيحية الصهيونية؛ أكثر الطوائف الدينية استماتة في دعم المشروع الصهيوني. وبذلك يمكن القول إن التربية الإنجيلية لقادة المملكة المتحدة في تلك الحقبة ساهمت بشكل كبير في تسريع منح الحركة الصهيونية صك اعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، قبل أن يصبح هذا التصريح وثيقة أممية وعهدة دولية لا مناص من وضعها حيز التنفيذ.

أظن أن بريطانيا كانت تستشعر أن شمس الاستعمار القديم الذي تقوده هي وفرنسا في طريقه إلى الأفول إلى غير رجعة، لمصلحة الاستعمار الجديد الذي يتزعمه الصاعدون الجدد لزعامة «عالم ما بعد الحرب»، وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وهذه المتغيرات الجديدة تملي على بريطانيا ضرورة المحافظة على مصالحها الاستراتيجية في مصر، لا سيما قناة السويس وحرية الملاحة البحرية في الممرات المائية، وذلك من خلال زرع كيان غريب في فلسطين يحول دون التواصل الجغرافي بين دول الوطن العربي، وتعطيل أي شكل من أشكال الوحدة التي من شأنها تهديد مصالح بريطانيا؛ لئلا يتكرر سيناريو توسعات «محمد علي باشا» المحفورة في ذاكرة الاستعمار البريطاني.

ليس هذا وحسب، بل كانت ترى بريطانيا صاحبة الباع الطويل في الاستعمار أن وحدة الدين، واللغة، والعرق، والثقافة التي تتمتع بها المنطقة العربية خطر كبير على مصالحها؛ إذ من الممكن قيام وحدة إسلامية تستطيع بلمح البصر اكتساح العالم، واستكمال ما بدأته الدولة العثمانية في القرون الماضية من انتصارات وفتوحات أرعبت أوروبا. إذن لا بد أن تزرع بريطانيا الكيان الصهيوني في فلسطين قبل أن تحمل عصاها وترحل، ليكون مخلب القط في مواجهة جميع الدعوات الهادفة لقيام أي شكل من أشكال الوحدة الإسلامية التي ما يزال يتلهف إليها بعض العرب بكثير من الشوق والحنين.

هكذا التقت المصالح الاستعمارية لبريطانيا ودول الحلفاء جنبًا إلى جنب مع مصالح الحركة الصهيونية الباحثة عن وطن قومي لليهود في فلسطين، ونجحت الجريمة السياسية والقانونية هذه بتهجير أكثر من 700 ألف مواطن فلسطيني إلى المنافي والشتات، وهم الذين أشار إليهم التصريح المشؤوم «بالطوائف غير اليهودية» التي لا تملك في رصيدها سوى بعض الحقوق المدنية والدينية، ولا يحق لها التمتع بأي حق من الحقوق السياسية التي أصبحت بموجب التصريح قصرًا وحصرًا للمهاجرين الجدد المستجلبين على عجل من أسقاع العالم.

وبذلك لم يكن وعد بلفور بأي حال حالة عاطفية أو نزعة إنسانية لمعالجة ما عرف في تلك الحقبة بالمسألة اليهودية أو العداء للسامية، وإنما سردية غربية وصهيونية مزدوجة تحمل في طياتها دوافع سياسية، ودينية، وتاريخية، واستراتيجية يسعى الطرفان إلى تحقيقها على حساب 90% من سكان فلسطين العرب.

إن القول بأن فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض هو زعم باطل وخبيث، إذ رغبت بريطانيا منذ البداية تقديم تصريحها الإجرامي مشفوعًا بالتزام أممي وتبرير أخلاقي مصطنع يعطي الوجود الصهيوني في فلسطين المزيد من الشرعية، بقطع النظر عن صحته وقانونيته. لكن ما لا تريد أن تعلمه بريطانيا أن الخرافة الإنجيلية لا يمكن أن تؤسس دولةً وتاريخًا وحضارةً مهما كان أربابها بارعون في سرد ذرائع الوجود وأكاذيب البقاء التي ثار عليها بعض اليهود أنفسهم، وعدوها مطية للعنصرية والإرهاب والقتل المخالف لتعاليم الرب.

بهذا الاستعراض التاريخي المسهب يتبين لنا بما لا يدع مجالًا للجدل، أن فكرة وعد بفور وقيام وطن قومي لليهود هي بالأساس اختراع كولونيالي غربي محض قبل أن يكون مطلبًا دينيًّا يهوديًّا لعودة شعب الله المختار إلى أرض صهيون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد