مائة عام تفصلنا عن ذلك الوعد المشئوم الذي أصدره اللورد «جيمس آرثر بلفور» وزير الخارجية البريطاني في 2 نوفمبر 1917، الذي ترتب عليه الكثير من المآسي والأحداث وكان السبب وراء إحداث عدة تغيرات على المستوى الإقليمي والدولي.
فهذا الوعد الذي يستحقره العرب لم يكن مجرد حبر على ورق، أو مجرد وعد طائش أطلقه أحد سياسيي بريطانيا في أوائل القرن العشرين، بل إن هذا الوعد كان السبب المباشر في كل مآسي الشعب الفلسطيني، وأحدث تغييرات عديدة كانت بمجملها ديمجرافية وجغرافية وتاريخية، فصورة المنطقة العربية والإسلامية شهدت مسحًا لفلسطين التاريخية.
وبالرغم من عدم اعترافنا ولو قيد أنملة بهذا المسح، تحولت هذه الأرض المباركة من صورة إلى صورة، وتم تفريغ المساحة الجغرافية من السكان وتهجيرهم، وذبحهم كفئران التجارب في مذابح عرف بها العالم كله وحشية الكيان الصهيوني المغتصب.
وبالرغم من معارضة اليهود الليبراليين الذين استطاعوا أن يندمجوا في المجتمعات التي عاشوا فيها لهذه الفكرة منذ بدايتها، ورأوا في هذه الفكرة دليلًا قد يتخذه أعداء السامية على غربة اليهودي، وعدم قدرته على الاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه، وعدم انتمائه إلى موطن إقامته، لكن بعد نقاش طويل داخل «مجلس ممثلي اليهود البريطانيين» رجحت كفة مؤيدي الفكرة.
نسمع كثيرًا عن «حاييم وايزمان» و«ناحوم سوكولوف»، ولكن كثيرًا منا لا يعلم أنهم من أكثر الصهيونيين حماسًا لهذه الفكرة وتأييدًا لها بل إن «وايزمان» أظهر قناعات سياسية ونشاطًا دؤوبًا في إقناع ساسة الحلفاء بوجهة نظر الصهيونيين؛ لدفع بريطانيا إلى وضع فكرة الوعود في حيز التنفيذ.
اختلفت التفسيرات والدوافع وراء هذا الوعد، مما يؤكد لنا أنه كان مكيدة بفلسطين وليس تعاطفًا مع اليهود، فـ«بلفور» نفسه برره بأنه بدافع إنساني، في حين رأت فيه أبحاث صهيونية تاريخية مكافأة للباحث «حاييم وايزمان» لخدمته بريطانيا باكتشافات علمية أثناء الحرب العالمية الأولى.
اليهود في أوروبا كانوا يعيشون في حاراتهم الخاصة أو ما يعرف بـ«الغيتوات» وكان ينظر لهؤلاء في أوروبا على أنهم غير بشر أو حيوانات يجب أن تعامل بشكل سيئ فتضرب وتقتل، ولم تكن ردة فعل الأوروبيين على هذه المعاملة سوى ردة فعل مشروعة في علم الاجتماع وعلم النفس على من حاولوا دائمًا زرع الفتن في المجتمع، وهذا ما أدى في واقع الحال إلى إيجاد علاقة وثيقة بين الغيتو واليهود.
هذا «الغيتو» المغلق، ساعد في تكوين شخصية يهودية خائفة على الدوام تخشى الخروج من أسواره، فحاول عدد من المفكرين اليهود الذين آمنوا بما تنادي به حركة التنوير الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر أن يقنعوا اليهود بالخروج من أسوار الغيتو أو الاختلاط بالغرباء ومشاركتهم الحياة السياسية والاجتماعية، إلا أن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل، وأدى ذلك إلى خلق حالة من الصراع النفسي طرفاها الخروج من أسوار الغيتو والبقاء فيه، فأدى هذا الصراع إلى رغبة في الخروج من هذا الوضع وهنا بدأ التفكير جديًا بإيجاد مكان يأوي اليهود إليه ويتجمعون دون خوف من أحد بمعنى أن يكون لهم دولة مستقلة يهودية الديانة تدعي القومية.
وبدأ المفكرون اليهود يبحثون عن بدائل للغيتو وحاولوا مرارًا وتكرارًا إقناع عدد من سياسيي أوروبا بإيجاد بقعة أرض لهم بعيدة كانت أو قريبة في إفريقيا أو في آسيا وحتى في القارة الأسترالية، وكان هؤلاء السياسيون يخشون من أن تتحول الدولة اليهودية إلى منافس حقيقي للاستعمار خصوصًا وأن الاقتصاد اليهودي كان يلعب دورًا مهمًا في السياسة والاقتصاد الأوروبيين.
الوقائع التاريخية تؤكد أن محاولات السيطرة على فلسطين كانت الشغل الشاغل للقوى الإمبريالية الأوروبية، وفي القرن الثامن عشر على وجه الخصوص أدركت بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا أهمية فلسطين على جميع المستويات، فمن هذه الدول من نظر إليها على أنها طريق مهم يربط المستعمرات بعضها ببعض كبريطانيا وفرنسا، ومنهم من وجد فيها أرضًا مقدسة يتم من خلالها كسب تأييد المسيحيين في العالم، ومنهم من رأى أنها بوابة لعلاقات جيدة مع الإمبراطورية العثمانية.
في أواخر القرن الثامن عشر بدأت فرنسا وبريطانيا تفكران مليًا في السيطرة على فلسطين أو أخذ امتيازات لهم فيها، وقد بدأت أولى محاولاتهم في حملة «نابليون بونابرت» على مصر وبلاد الشام، وكان اليهود وقتئذ يتمددون اقتصاديًا، بينما كانت فرنسا تعيش إرهاصات ثورتها المشهورة والشعب يأكل بعضه بعضًا، ولم يكن نابليون يستطيع أن يمول حملاته دون مساعدة من اليهود الذين اتفقوا سرًا معه على تمويل حملته في حال أمن لهم موطئ قدم في فلسطين.
بهذا، كان نابليون أول سياسي أوروبي ينادي علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود «ورثة أرض إسرائيل الشرعيين» الذي صدر في أبريل عام 1799، وقد دعا نابليون اليهود بهذا النداء للنهوض والالتفاف حول علمه، من أجل تحقيق أحلامهم، وإعادة دولتهم في الحملة الفرنسية التي احتلت مصر عام 1798.
بل حاول نابليون استغلال اليهود بإثارته حججهم الدينية من أجل تجنيدهم وأموالهم وفي استكمال حملته على بلاد الشام، ولاستغلالهم في حربه ضد بريطانيا، إلا أن حملته فشلت في سنتها الثانية لتبدأ مرحلة جديدة في استغلال نابليون لليهود الأوروبيين، فبعد عودته إلى فرنسا منهزمًا في مصر وبلاد الشام، دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية إلى عقد مجلس «السانهدرين» وهو أعلى هيئة قضائية كانت قائمة في التاريخ اليهودي القديم، وحجته في ذلك مساواتهم بالفرنسيين والبدء بتأسيس الدولة اليهودية في المنفى لحين احتلال فلسطين.
كان وعد نابليون لليهود بتأسيس دولة لهم أساس التفكير اليهودي الجدي والعملي بإعادة ما يسمونه باطلًا «أرض إسرائيل»، ولم يكن أحد يدرك أن نابليون هو من وضع حجر الأساس في العقلية اليهودية، فبعد هذه التجربة التي خاضوها مع نابليون وفشلهم في تحقيق أمانيهم أدركوا أن فرنسا لن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت فانتقلوا إلى دول أخرى على رأسها بريطانيا وألمانيا وروسيا والنمسا.
وبعد تجربة اليهود مع فرنسا، فشلت في تحقيق مبتغاها مع ألمانيا وروسيا والنمسا، ولم تعد تذكر الدولة اليهودية سوى في البيوتات اليهودية وفي بيوت المفكرين على وجه الخصوص، واستمر ذلك الحال نحو مائة عام وذلك حتى ظهور «تيودور هرتزل» الصحفي اليهودي النمساوي، مؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة، على مسرح الأحداث الذي بدأ بالتحرك سريعًا لاستغلال الظروف العالمية وانتهاز فرصة ضعف الدولة العثمانية والمباشرة في إقناع زعماء أوروبا والسلطان العثماني بتشكيل دويلة صغيرة في أي مكان في العالم، ولم تكن فلسطين حينئذ في أعلى الهرم، فقد كانت أولويته تجميع اليهود وإخراجهم من شتاتهم في أي مكان.
يقول هرتزل في مذكراته: «سأتفاوض أولًا مع قيصر روسيا بخصوص السماح لليهود الروس بترك البلاد، ثم أتفاوض مع قيصر ألمانيا، ثم مع النمسا، ثم مع فرنسا بخصوص يهود الجزائر، ولكي يكون لي اعتبار في البلاطات الأوروبية يجب أن أحصل على أعلى الأوسمة، الإنجليز أولًا»، حتى جاء الأسقف الإنغليكاني في فيينا «وليم هشلر» عام 1880 وتبنى النظرية التي تقول «إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي، وإن العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية»، وكان «هشلر» قد ألف كتابًا عام 1882 بعنوان «عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات».
قبل هذا التاريخ لم تكن فلسطين أرض النبوءات لليهود، إلا بعدما تعرف «هشلر» على «ثيودور هرتزل» وعلى مشروعه، كما استطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني، وذلك لمساعدته على إقامة وطن يهودي في فلسطين، وبالرغم من أن تلك اللقاءات باءت بالفشل فإن «هشلر» لم ييأس، فقد انتقل إلى بريطانيا حيث رتب في عام 1905م لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور.
ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني، وكان «لويد جورج» رئيس الحكومة أكثر شغفًا بالمشروع الصهيوني وأشد حماسة له من «بلفور»، فكان الوعد الذي صدر في الثاني من نوفمبر عام 1917، بمنح اليهود وطنًا قوميًا في فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد