أعيش تلك الأزمة الوجودية المتعلقة بجدوى الكتب والقراءة ومعناها. عندما اشتريت رواية بليغ، كنت في المكتبة أستعرض الأرفف، أحاول أن أجد كتابًا يلفت انتباهي، شعور بضرورة اقتناء كان يصاحبني كلما رأيت كتابًا في الزمان الأول، ولكن عوضًا عن ذلك ما صاحبني بالفعل إحساس باللاجدوى، لا تقع عيني على كتاب إلا وأرى فيه ما يصرفني عنه وليس العكس. لا فائدة ترجى من وراء القراءة في زمننا هذا، لم تنقذنا القراءة يومًا من همجيتنا ووحشيتنا وانعدام حسنا أو ضيق أفقنا ولن تنقذنا. تدور التساؤلات في ذهني عن مخرج مما أنا فيه وأنا أمر على العناوين، تقع عيني على رواية بليغ، يلفت انتباهي اسم الكاتب، أستغرق في تكهناتي حول أصوله، لعله عربي، بل مصري ولد في الخليج، ثم لا ألبث أن أضع الكتاب في سلة المشتريات لا لشيء إلا اسم الكتاب والمؤلف، الأسباب التي تبدو غير منطقية بالمرة باتت معقولة بعدما فشلت كل السبل المنطقية لخلق رغبة في كتاب ما دون غيره.

تبدأ الحكاية بلحظة تبدو ختامية، فطلال فيصل طالب الحقوق بجامعة السوربون والحاصل على منحة لكتابة عمل روائي عن بليغ حمدي، ألقي القبض عليه بتهمة التهجم على بيت صديقته الفرنسية مارييل، ومودع في مشفى للأمراض العقلية. رغم إصراره على سلامة قواه العقلية ومع تعذر الوصول لسليمان العطار، الشخص الوحيد الذي يدعي معرفته في باريس، لا يجد طلال سبيلًا لإطلاق سراحه سوى سرد قصته أمام القاضي. ومن قلب روايته، تخرج قصة بليغ حمدي، حيث تتخللها في البدء مثل لقطات عشوائية متخبطة، ثم لا تلبث أن تأخذ خطًا واضحًا يبدو مستقلًا لولا أن أحدهما يردد صدى الآخر.

تعتمد الرواية نمط رحلة موسى والعبد العالم، في تعاقب بين سرد مصحوب بتساؤلات تصل حد الاستنكار، تأويل مثير للدهشة ثم كشف، يجري القسم الأول من الرواية على لسان طلال، يحكي عن أصوله بوصفه شابًا مصريًا عائلته من الإخوان المسلمين، متشكك ومتمرد على كل الثوابت والمسلمات، يقابل مارييل في القاهرة إبان ثورة يناير فيقع في حبها ويتبعها لفرنسا، أولًا على نفقته الخاصة، ثم مرة ثانية يحاول فيها الحصول على منحة تتكفل بنفقاته وتضمن له إقامة أطول، فتكون منحة الكتابة عن بليغ. عبر الخط الزمني لتلك الحكاية تظهر تفاصيل مقابلته لسليمان العطار، موسيقي متوسط الموهبة يقابله صدفة في مشهد درامي ويتردد عليه من فترة لأخرى ليساعده في تعلم المقامات كمدخل من مداخل الكتابة عن بليغ وموهبته.

على الجانب الآخر يسترسل طلال في سرد قصة بليغ، متدرجًا من الطفولة وموهبته المبكرة، ومنتهيًا بهربه لباريس. ولكنه إذ يفعل يعطي النصيب الأكبر للمشهور من سيرته، تلحينه للطبالين والراقصات، عمله مع أم كلثوم، حبه لوردة، علاقتهما، تفاصيل الانفصال التي تعكس شخصًا غير عابئ بأية مسؤولية، ثم أخيرًا يختم بالقضية التي اتهم فيها بإدارة بيته لأعمال الدعارة بعد أن ألقت فتاة بنفسها من شرفة منزله بالدور الثاني.

بالنظر لهذا الجزء من الرواية سنجد أن الموضوع ليس جديدًا، فقصة طلال قصة معتادة من الشغف، الغيرة، مرورًا بالضجر والصدام ثم الفراق. أما قصة بليغ فهي في غالبها عن أمور وقصص مشهورة تداولها المصريون عبر السنين. بدايات معروفة ونهايات متوقعة تدفع القارئ بشكل لا إرادي لاستباق الأحداث وإصدار الأحكام. يكاد الأمر يكون أشبه بالفخ عند التفكير في عدة تفاصيل مثل استخدام اسم «طلال» للشخصية الرئيسية، حيث تطابق الاسم مع المؤلف يعطي انطباعًا أنك على وشك اكتشاف حقيقة ما عن الكاتب وعلى لسانه، وأن الرواية سرد لأحداث واقعية. كذلك تعذر الوصول لسليمان العطار المقترن بحقيقة أن طلال المودع في مشفى للأمراض العقلية هو الوحيد الذي رآه منذ بداية الرواية، يوحي بكون سليمان شخصية خيالية. وتفاصيل نشأة طلال وتساؤلاته وتمرده ورفضه للإخوان وعائلته وظروف نشأته، تفتح الباب إما لاعتباره ملحدًا، أو منتميًا للجماعة وكاذبًا.

سلسلة طويلة من التكهنات التي تصل حد اليقين عندما يستهل المؤلف كل فصل بكلمة «اعلم»، حتى يؤمن القارئ فعلًا أنه يعلم وأن بيده مفتاح الحقيقة، فيصدر أحكامه المطلقة، ويسعد عندما تصيب تكهناته محلها، بل لعله ترك إكمال الرواية لأنه يعلم تمامًا كيف ستنتهي. مثل طلال البطل، الذي يطلق الأحكام يمنة ويسرة وكأنه يدفع تهمة ما، وطبيبه النفسي الذي قفز لاستنتاجاته عن إلحاده وهلاوسه دون إعطاء نفسه وقتًا كافيًا للتفكير في الأمر أو حتى الحكم عليه كطبيب، وتمامًا مثل موسى عليه السلام عندما علق على أفعال الخضر في صيغة ظاهرها التساؤل وباطنها الاستنكار، ثم الحكم القاطع.

بانتهاء سرد طلال،  يبدأ جزء جديد من الكتاب تحت عنوان «القاضي». يبدو وللوهلة الأولى قاضيه، لكننا لا نلبث أن نرى رسالة من القاضي الذي كلف بقضية بليغ حمدي. تحكي الرسالة ظروف نشأته ومعايشته للقضية وحيثيات إصدار حكمه، ثم رؤيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وعلاقتها بتردده بخصوص هذا الحكم. كيف أثناه أخوه عن التقدم بطلب لإعادة النظر في القضية، ثم مرض بعدها مباشرة مما اضطره لمرافقته لباريس للعلاج وهو يتساءل عن مقدار الصدفة في هذا التوقيت، ويدافع شعوره بضرورة مقابلة بليغ، فيذهب باحثًا عن عنوانه ويلتقيه محض صدفة لم يتعرف فيها بليغ على شخصه، ومع ذلك يدعوه لمنزله لمجرد أنه مصري.

تمثل هذه الرسالة بداية مرحلة التأويل في الرحلة، فتقلب موازين القارئ، وتكشف عن وجه آخر للحكاية، مستدعية بذلك لحظة من صمت وإعادة التفكير. لذلك عندما تأتي مذكرات بليغ في هذا الموضع فإنها تأتي في أوج قوتها ومصداقيتها، ليس لأنها على لسان صاحب الحكاية، ومن أقرب نقطة للحقيقة فحسب، ولكن من اختبار القارئ بشكل عملي لمعنى «الوجه الآخر». تستمد تأثيرها من حقيقة أنه على استعداد لإعطاء بليغ فرصة أخرى، تمامًا مثل القاضي. لتبدأ كل التكهنات السابقة في التداعي، ويتخلل النور جنبات الحكاية مظهرًا بليغًا آخر، وكما لم نعرفه من قبل.

إلا أن الإنجاز الأكبر لهذه الرواية لا يكمن في التأويل، أو دحض ما جاء في شخص بليغ، فبينما لم تكن رحلة موسى عن السفينة والمساكين، أو الصبي المقتول، أو حتى الجدار الذي يريد أن ينقض، كذلك كشف الرواية ليس لشخص بليغ أو طلال أو في أي مما قيل، ولكن بالأحرى فيما لم يُقَل. فبالنظر مرة أخرى للمذكرات سنجد أن عرض المؤلف لها مع ملاحظاته في الهوامش عن حيثيات قراءتها وطرق الحصول عليها يضعها خارج إطار سرد طلال الشخصي، ويأخذ خطوة للوراء حيث العرض من قبل بليغ نفسه، ويقدمها دليلًا قاطعًا لا يقبل الشك عن الحقيقة، لولا أن الكاتب يظهر من العلامات ما يقودنا لأبعد من ذلك.

يذكر أحد الهوامش أن باقي أوراق المذكرات في الكراتين، ولم يتم جمعها أو فرزها، كما يشير هامش آخر إلى سليمان العطار على اعتباره الشخص الذي بحوزته تلك المذكرات والخطابات، وليس المؤلف نفسه، ويتأكد ذلك عندما يمسك دفة السرد في الفصل الأخير من الكتاب، كلا الأمرين يفتح بابًا للشك مرة أخرى عن مدى احتمالية وجودها، خصوصًا مع عدم التنويه لأي مرجع أو مصدر في نهاية الرواية، هذا بالإضافة لذكر طلال الخيال مصدرًا من مصادره في حديثه مع العطار مرة بعد أخرى.  لذا مع توقع وجود هذا الهامش من الخيال والتأكيد عليه، يتعمد المؤلف ترك القارئ في منطقة من الشك، فيصيب بذلك جوهر الرواية وكشفها الحقيقي.

إن طلال فيصل لا يقود القارئ في محض قراءة عابرة يطرح فيها وجهة نظر مغايرة متعلقة بشخص دون آخر، ولكن بالأحرى يقودنا في تجربة، يدرك فيها الغاية، ليس من خلال المكتوب، ولكن من خلال تفاعله مع النص، تجربة لا تؤكد معرفتنا للحقيقة، ولا تقودنا لليقين، بل تأخذنا للشك، للشك في إدراكنا، في معرفتنا، وفي أحكامنا المطلقة، شكًا لا نملك في مواجهته إلا الخيال. ذاك الذي يمنح الأمل في معجزة، في الحب، وفي الله؛ «الذي يتكلم عنه الجميع ولم يره أحد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد