حكايتي معقدة، ومبنية على ثلاثة خطوط متوازية، أولها سيرة موسيقار موهوب أدرك سر الحياة والنغمة الحلوة والنسوان فابتهج وأبهجنا معه، وثانيها حكاية فتى غرّ غادر بلاده، هربًا أو عشقًا أو كليهما، فانتهى مكلبشًا في مصحة في قلب باريس، وثالثها سيرة الهرب من الهوس والحزن بمطاردة النغمة الحائرة، ومحاولة تحليلها، في صحبة موسيقار مغربي مديوكر، غير موهوب، ولا قيمة فعلية له في الحكاية.


أما الموسيقار الموهوب فهو بليغ حمدي، والفتى الغرّ في الحكاية الثانية والثالثة هو طلال فيصل الراوي الذي يحاول أن يكتب رواية عن بليغ. لكل حكاية خط زمني خاص.

رواية مكتوبة بحرفية، أقولها مرة أخرى بأن طلال فيصل حريف كتابة، كاتب متمكن يسيطر على الرواية من بدايتها إلى نهايتها بعشوائية مُرتبة لا أدري كيف يفعلها، يتناقل بين خطوط حكايته بابتسامة خبيثة لن تدرك معناها سوى في ثلثها الأخير.

الرواية مكتوبة بتعب وبصعوبة ولن تشعر وأنت تقرأها بهذا، بل ستنساب الرواية بخفة من بين يديك لتتركك بعد الانتهاء منها حزينًا لأنها انتهت.
الجوانب النفسية للشخصيات رسمت بدقة، خصوصًا في الحكاية الثالثة حيث الهرب من الحزن وتعلم الموسيقى وتحليلها. فهمت براعة الكاتب في هذا الجانب عندما عرفت بأنه يدرس الطب النفسي.

عندما قرأت سرور ظننت أن طلال فيصل الموجود في الرواية هو كاتبها وليس مجرد شخصية روائية، مع بدايتي في بليغ وجدت أن شخصية طلال فيها تختلف عن طلال في سرور، وعندما بحثت عن معلومات عن الكاتب في الإنترنت وجدت «طلال تاني خالص»!

شخصية طلال الروائية هي مزيج من شخصية الكاتب والشخصية التي يتناول الكاتب سيرتها (سرور/بليغ) وخياله. وتحمل بداخلها مشكلة أو اثنتين عن الحاضر، مثل إنشاء دار النشر في هذه الرواية، أو المسار العكسي التي انقلبت إليه الثورة. طلال هنا شخص نشأ في أسرة إخوانية سيشرد عن تعاليمهم عندما يكبر ويصبح ملحدًا، يجرفه الحب فيذهب وراءه لفرنسا ثم يقسو عليه وتهجره الفتاه، ليتحول طلال لشخص يسب الحب وينسى أن العيب فيكم يا في حبايبكم، أما الحب يا روحي عليه.

 يأويه سليمان العطار الموسيقار المغربي ليعلمه الموسيقى الشرقي ويظلا يحللان ألحان بليغ ليحاول طلال الكتابة عن سيرة بليغ، في محاولة للهرب من الحب الذي يطارده، لكنه يفشل عندما يذهب لاقتحام منزل صديقته وهو ما سنبدأ عليه في الرواية حيث هو في مصحة عقلية، فتدبر.

ربما بالغت الست أم كلثوم وهي تقول بأنه سيصبح أفضل من السنباطي، لكني أؤمن أنه أفضل من عبد الوهاب بالفعل.
بليغ شخص من القلائل الذين استطاعوا أن يجمعوا الكسل والعربدة والنجاح الكبير، ربما هو مثل موتسارت في هذا الجانب، حياته عذبة وهو يحكيها أكثر مما كان يرويها طلال.

وذات يوم أصبح الصياد فريسة وعصف به الحب، ملكت قلبه فتاة جزائرية لم تغادره حتى موته، فبالرغم من طلاقه هو ووردة بعد ست سنوات من زواجهما إلا أنه ظل يحبها.

في جزئية بليغ الذي يرويها بقلمه ستجد الكثير من طرائفه مع الست والقصبجي والسنباطي وعبد الحليم وغيرهم. وستعرف ملابسات القضية التي حكم عليه فيها سنة سجن -لن تنفذ لأنه سيكون بباريس- إثر انتحار مطربة شابة من بيته في إحدى ليالي العربدة ببيته، ثم إصدار حكم بالبراءة بعدها بسنة.
فيها ستكتشف كيف تلاعب بك طلال فيصل طوال الرواية.

بعد أن أنهيت الرواية تعالت في الخلفية أصوات تصفيق تلعو بالتدريج وأنا لا أجد سوى الضحك عمّا فعله بي الكاتب.

في سرور شكَّكت في موهبة طلال الروائية وأرجعت نجاح الرواية إلى ملحمية سيرة نجيب سرور ومأساته التي تجذب أي قارئ، لكن هنا الأمر مختلف، فسيرة بليغ لم تكن بالملحمية أو بالحياة التي تقوم بصنع رواية.

إن كانت أعجبتني رواية سرور فهذا لأجل نجيب سرور، أما بليغ فأعجبتني لأجل طلال فيصل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد