لو نظرنا إلى أنظمة الحكم الديمقراطية حول العالم؛ فسنجد في كل منها عيوبًا وأخطاء بحاجة للعلاج والتصويب، وهذه هي طبيعة الديمقراطية المتجددة التي لم، وقد لا تصل أبدًا إلى مرحلة الكمال. وفي عالمنا العربي، نعيش منذ عدة سنوات وسط دوامة من الصراعات والحروب التي اشتعل فتيلها ابتداء؛ بسبب مطالبات شعبية سلمية للتحول من ضيق الاستبداد إلى رحاب الديمقراطية. ليست الشعوب العربية أول من يواجه عقبات كهذه في الطريق نحو الديمقراطية، بل إن كثيرًا من الشعوب التي سبقتنا تعرضت لظروف مشابهة، ثم انتهى بها الحال منتصرة على أنظمة الحكم القمعي. وفي وسط هذه الدوامة التي ستنتهي لا محالة، نحن مطالبون بالنظر إلى تجارب التحول الديمقراطي السابقة كي نستفيد منها قدر الإمكان ونتجنب الوقوع في أخطائها.

في هذه المقالة نلقي الضوء على قصة القاضي بالتاسار غارثون الذي تم تعيينه كقاضٍ استقصائي في المحكمة الوطنية الإسبانية عام ١٩٩٠، والذي كان له دور كبير في تفعيل القانون الإسباني الشامل لملاحقة مجرمي الحروب ومنتهكي حقوق الإنسان حول العالم، كما كان خلف إعادة فتح ملف قضايا جرائم حقبة الجنرال الإسباني فرانسيسكو فرانكو الذي كان قد تم إغلاقه بعد وفاة فرانكو وانتقال إسبانيا من الحكم العسكري إلى الديمقراطي.

«القانون الشامل وإذلال بينوشيه»

شهدت تشيلي في الحادي عشر من سبتمبر عام ١٩٧٣ انقلابا عسكريا على الرئيس المنتخب سلفادور أليندي ذي الميول الاشتراكية بتخطيط ودعم أمريكي. وفي السنوات السبع التالية كانت تشيلي تحت حكم المجلس العسكري بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه. شهدت هذه السنوات آلاف الجرائم ضد الإنسانية بين قتل واعتقال واختطاف وتعذيب. ثم في أواخر عام ١٩٨٠ تمت صياغة دستور جديد بإشراف بينوشيه نفسه، وتم تنصيبه كرئيس للبلاد في العام الذي يليه. نصّ الدستور الجديد على أن يظل بينوشيه رئيسا لمدة ثمان سنوات، ثم يتم بعدها عمل استفتاء شعبي تقرر نتيجته ما إذا كان سيستمر لفترة رئاسية ثانية أم لا. ومما نص عليه أيضًا أن يتم تنصيب أي رئيس يكمل ستًّا من سنوات حكمه الثماني كعضو في مجلس الشيوخ مدى الحياة، وأن يتمتع بحصانة ضد محاكمته على ارتكاب أي جريمة. وفي عام ١٩٨٨ تم عمل الاستفتاء وصوّت الشعب التشيلي برفض استمرار بينوشيه، وهو ما حصل فعلا. لكن بينوشيه اشترط حينها أن يبقى على رأس القوات المسلحة حتى عام ١٩٩٨، على أن يصبح بعدها عضوا في مجلس الشيوخ مدى الحياة باعتباره قد أكمل سنوات رئاسته الثماني. وبهذا يكون قد نال ضمانا بعدم محاكمته على جرائمه التي ارتكبها خلال فترة حكمه وفقًا للدستور الذي أشرف على صياغته بنفسه.

أما في إسبانيا، فقد شرّعت المحكمة العليا عام ١٩٨٥ العمل بالقانون الشامل (Universal Law) الذي يتوافق مع معاهدات جنيف؛ مما أعطى القضاء الإسباني الصلاحية لملاحقة مجرمي الحروب ومنتهكي حقوق الإنسان والإرهابيين حتى وإن كانت الجرائم قد وقعت خارج حدود إسبانيا أو كان ضحاياها لا يحملون جنسيتها. وفي عام ١٩٩٦ تم استخدام هذا القانون لأول مرة على يد بالتاسار غارثون عندما قام مع مجموعة من المحامين الإسبانيين برفع شكاوى ضد قادة عسكريين سابقين في كل من تشيلي والأرجنتين على خلفية ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية.

في شهر سبتمبر (أيلول) عام ١٩٩٨، توجه بينوشيه إلى إنجلترا في أول رحلة خارجية له بعد تنحيه عن منصبه كقائد للقوات المسلحة من أجل إجراء عملية جراحية. وبينما كان بينوشيه في غرفته داخل المشفى بعد إجراء العملية، اعتقلته السلطات البريطانية استجابة لمذكرة اعتقال رفعها بالتاسار غارثون تطالب بتسليمه لإسبانيا من أجل محاكمته على جرائمه التي ارتكبها خلال فترة حكمه. تم احتجاز بينوشيه في إنجلترا حتى تصدر الموافقة من البرلمان والقضاء البريطانيين بتسليمه. ومن الملفت هنا أن غارثون لم يستند على القانون الشامل الإسباني فقط، بل أيضًا على إحدى المواد المتعلقة بمناهضة التعذيب في القانون البريطاني. استمرت المباحثات وجلسات الاستماع حول القضية قرابة سبعة عشر شهرًا في كلّ من بريطانيا وإسبانيا، ظل خلالها بينوشيه محتجزا في إنجلترا. ثم في شهر مارس (أذار) عام ٢٠٠٠، أصدر وزير الداخلية البريطاني جاك ستراو حكمًا نهائيًا بعدم تسليم بينوشيه لإسبانيا بسبب تدهور حالته الصحية بعد إصابته بسكتة قلبية تسببت في تلف دماغي شديد، علما بأن ستراو كان من المتعاطفين مع مطالب بالتاسار غارثون منذ بداية اعتقال بينوشيه. وبمجرد إصدار الحكم، أقلّت طائرة تشيلية بينوشيه إلى بلاده.

وفي تشيلي، على الرغم من الحصانة التي ضمنها دستور ١٩٨٠ لبينوشيه، كانت هناك حوالي ستون قضية تم رفعها عليه خلال فترة اعتقاله في إنجلترا. وبعد عودته بشهرين، تم رفع الحصانة عنه وتجريده من منصبه كعضو مدى الحياة في مجلس الشيوخ. ثم في عام ٢٠٠٥ تم تعديل الدستور التشيلي وألغيت المواد المتعلقة بتنصيب الرؤساء كأعضاء في مجلس الشيوخ. توفّي بينوشيه عام ٢٠٠٦ بعد أن تم إذلاله من قبل بالتاسار غارثون الذي كانت لتحقيقاته فضل كبير في تعديلات الدستور التشيلي.

وبذات الطريقة، كان غارثون قد وجّه عام ١٩٩٧ العديد من التهم ضد ١١٠ من أفراد الجيش والبحرية ورجال الشرطة الأرجنتينيين، وأصدر مذكرات اعتقال دولية بحق أحد عشر قياديا منهم. واحد ممن طالتهم ملاحقات غارثون هو أدولفو سيلينغو ضابط البحرية الأرجنتيني الذي حكمت عليه المحكمة العليا الإسبانية بالسجن ثلاثين عامًا؛ بسبب ارتكابه لجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب القذرة. ويقضي سيلينغو محكوميته اليوم في أحد السجون الإسبانية . ومن بين المجرمين أيضًا ريكاردو كافالو القائد السابق في البحرية الأرجنتينية. تم اعتقال كافالو في المكسيك بأمر من القضاء الإسباني، وحكمت عليه المحكمة العليا الإسبانية حكمًا مشابهًا لسابقه. قضى كافالو خمس سنوات في سجن إسباني، ثم تم تسليمه للأرجنتين بعد إلغاء الأرجنتين لقوانين العفو عن مجرمي الحرب القذرة، وتم الحكم عليه بالسجن المؤبد.

أخيرًا، في عام ٢٠١٤، صوّت البرلمان الإسباني الذي كان حينها تحت سيطرة الحزب الشعبي اليميني (Popular Party) بتعطيل العمل بالقانون الشامل بدعوى جلبه للمشاكل السياسية. في المقابل، عارضت العديد من المنظمات المدنية والحقوقية الإسبانية القرار واعتبرته مخالفًا للدستور ومقوّضا لاستقلال القضاء. أما بالتاسار غارثون فعلّق بقوله: إن القرار يعدّ إهانة لاستقلال القضاء. كما اعتبرته جمعية (قضاة من أجل الديمقراطية) تدخلا سياسيا في مجال العدالة وتعديًا على سلطة القضاء من أجل مصالح تجارية ودبلوماسية واستراتيجية مع دول أخرى كالصين وأمريكا والكيان الصهيوني.

«مناهضة قانون العفو الإسباني»

بعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو عام ١٩٧٥، ومن أجل تحول ديمقراطي سلس، أقرّت إسبانيا معاهدة النسيان التي تهدف لنسيان جرائم الماضي والتركيز على مستقبل إسبانيا، ثم تبعها إصدار قانون العفو عام ١٩٧٧ الذي يمنع التحقيق في أي من جرائم حقبة الجنرال فرانكو. لكن بالتاسار غارثون رفض الانصياع لهذا القانون غير العادل، وبدأ عام ٢٠٠٨ باستقصاء وملاحقة جرائم تلك الحقبة (حوالي ١١٤ ألف حالة اختفاء قسري بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٥١). وبسبب مساعيه في هذه القضية، واجه غارثون متاعب عديدة، وتعرض لحملة شرسة من قبل بعض السياسيين والقضاة ورجال الأعمال الإسبانيين.

بدأت متاعب غارثون عام ٢٠١٠ بعد أيام قليلة من تركه لمنصبه في المحكمة الوطنية لفترة مؤقتة من أجل العمل مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث علّق المجلس العام للسلطة القضائية الإسبانية عمل غارثون بعد أن اتهمته المحكمة العليا بانتهاك صلاحيّاته ومخالفته لقانون العفو. ثم رُفعت عليه قضية أخرى تتهمه بإسقاط عدة تهم عن مدير أحد البنوك الإسبانية الكبرى مقابل حصوله على منحة مالية—تمت تبرئة غارثون من هذه التهمة لاحقًا. وفي عام ٢٠١٢ تمت محاكمته على ضوء إصداره أوامر بالتنصت على محادثات بين مجموعة من المتورطين في قضية شبكة رشاوي وفساد مالي شهيرة ومحاميهم، وصدر على إثرها حكم بمنعه من ممارسة المهنة لأحد عشر عامًا.

اعترضت منظمات حقوق الإنسان داخل إسبانيا وخارجها، بالإضافة إلى العديد من القضاة والمحامين وأساتذة القانون في الجامعات الإسبانية، على الاتهامات الموجهة إلى غارثون والأحكام الصادرة ضده، واعتبروها حملة مغرضة لتعطيله عن ملاحقة المجرمين. كما ادّعى البعض بأن الحزب الشعبي المرتبط تاريخيا بحقبة الجنرال فرانكو لعب دورًا أساسيا في هذه الحملة، لاسيّما وأن غارثون لاحق العديد من أعضاء الحزب الشعبي في قضايا تهرب ضريبي ورشاوى وغسيل للأموال؛ ومما زاد الشكوك حول الموضوع هو أن هيئة المحلفين كانت قد برأت زعيم ذات شبكة الرشاوي التي تنصّت عليها غارثون وعددا من قادة الحزب الشعبي المتورطين مع الشبكة قبل محاكمة غارثون بأيام قليلة.

تمت لاحقًا تبرئة غارثون في قضية مخالفته لقانون العفو، لكن ذلك لم يغير من حقيقة أنه منع من ممارسة مهنته كقاض بسبب تهمة التنصت. وبخصوص هذه التهمة تحديدًا، ذكر غارثون بأن ما فعله كان ضروريا من أجل محاربة الفساد. جدير بالذكر أن الدستور الإسباني يسمح بتسجيل المحادثات بين المحامين وموكليهم بشرط الحصول على أمر قضائي. كما يُسمح بالتنصت دون أمر قضائي في حالات استثنائية كقضايا الإرهاب وتجارة المخدرات.

«نظرة على العالم العربي»

إن الظروف الراهنة التي نعيشها في العالم العربي بين فساد وقمع واختطاف وقتل واعتقال وتعذيب من قبل حكومات القمع والاستبداد تتشابه إلى حد كبير مع ماضي إسبانيا وتشيلي والأرجنتين قبل تحولهم إلى الديمقراطية. وكل المآسي والمصائب التي نواجهها ما هي إلا تحديّات بالإمكان تجاوزها بشرط ألا نسمح لها بقتل آمالنا وإيقاف مطالباتنا بالديمقراطية والعدالة. لذا فنحن مطالبون بالاستمرار في الضغط على الحكومات وفضح ممارساتها الإجرامية. ومطالبون أيضًا بالاستفادة من تجارب التحول الديمقراطي السابقة كالتي ذكرناها في هذه المقالة. فعند سقوط الأنظمة المتهالكة التي تحكمنا، لابد أن نضع في الحسبان الأخطاء التي ارتكبها الآخرون كإصدارهم لقوانين تعفو عن المجرمين وتمنع محاسبتهم على سبيل المثال.

إن قوانين كهذه عادة ما تقف خلفها نخب سياسية واقتصادية تبحث عن مصالحها لا عن مصالح الشعوب، وهذا أمر مرفوض. بل ينبغي أن يعطى الخيار للضحايا والمتضررين وذويّهم. أود الاستشهاد هنا بأقوال الأستاذ سامي براهم الذي كان أحد المتحدثين في أولى جلسات الاستماع العلنية لضحايا الاستبداد في تونس. حيث قال بأنه مستعد أن يغفر لجلاديه الذين عذّبوه عندما كان في المعتقل، بشرط أن يعترفوا بجرائمهم ويعتذروا وأن تُكشف الحقائق ويسجلها التاريخ، لكن غفرانه هذا خيار شخصي يخصه وحده دون غيره، لأن من حق بقية الضحايا أن يطالبوا بمحاسبة المجرمين والاقتصاص منهم. أخيرا، بالنسبة لدساتير معظم الدول العربية، فهي دساتير فاقدة للشرعية ولن يؤخذ بها مستقبلًا كدستور ١٩٨٠ التشيلي الذي صاغه بينوشيه لتحقيق غاياته وحماية نفسه والمقربين منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد