هناك فرق بين الرواية الممتعة العادية وبين الرواية التي تحمل أفكارًا ومنظورًا أوضح لفهم واقعك السياسي أو الاجتماعي أو تفسيرًا للنفس الإنسانية، الرواية أنواع، والقارئ يتذوق الرواية بشكل جيد، يقرؤها بعقل متفتح ليفهم ما وراءها. ليس من السهل قراءة الطيب صالح؛ تحتاج لأن تكون متيقظًا جيدا لتفهمه جيدا.

لا أصدق أن هذا الرجل يكتب عن تفاصيل بيئته وبهذه الحميمية وعن هموم وطنه وهو مغترب عنه. أظن أن هذا فعل الحنين سمعت هذه الجملة من أمير تاج السر. أيضا يُقال أن المغتربين هم الأقرب إلى أوطانهم حتى لو اختاروا البعد لهم نظرة أخرى ومختلفة عن الذين يعيشون في داخل الوطن، أسقط هذا على واقعي في فلسطين وأراه حقيقة، حبهم وانتماؤهم ونظرتهم مختلفة.

رواية ضو البيت هي حاضر الماضي في رواية عرس الزين، نفس الشخوص والأحداث ممتدة لكن هناك صوتًا وفكرة مختلفة عن عرس الزين، ونجد في رواية ضو البيت كل شيء يرجعونه إلى زمن عرس الزين فيرصد الحياة ما بعد عرس الزين.

 

الصراع في الرواية لم يأتِ مباشرًا بل طرحه الطيب في سلاسة واضحة كحكاية وقدمه بطريقة تجعله حياديًا وموضوعيا، هو فقط وضع عدسة مكبرة على واقعنا السياسي الحقيقي. البعد السياسي متمثلًا فيما يسمى الجمعية التعاونية ورئاستها في قرية ود حامد، والصراع بين الأجيال على السلطة، بين العجائز الذين حكموها فترة طويلة وبين الشباب الذين يمثلون التغيير والتجديد.

 

نقع بين العجائز؛ محجوب وشلته، وبين الشباب أولاد البكري الذين هم من صلبه لمحجوب -فهم أولاد أخته-، محجوب يلقى القبول من الجميع وهو مترأس الجمعية من سنين طويلة وقد خدمها وأعطاها من حياته وروحه وعمره الكثير، لكن الحياة لا تجري على نسق واحد ولا يوجد شيء ثابت، يلف الزمان وتخرج فورة غضب من الشباب الطامحين في رئاسة الجمعية التعاونية وسلبها من محجوب.

 

أولاد البكري هم خريجو المدرسة التي بناها محجوب وشلته، يتحسر أصحاب محجوب على التعليم الذي أخرجهم هكذا! بغض النظر عن ثلاثين سنة سيطرة لمحجوب وشلته إلا أنهم خدموا بقلوبهم وبعمرهم وحكمتهم وكرمهم وضحوا بالكثير، لكن حجة أولئك الشباب أنه حان وقت قيادتهم وهم بحاجة إلى الفرصة ليغيروا ويطوروا، إنها الثورة. نحن لا نفهم مراد الطيب الصالح، يترك القارئ ليحكم، عبقري الرواية العربية ينقلنا لنسمع جميع الأصوات والحجج بكل موضوعية، الطريفي ابن البكري قائد ثورتهم عُرف من صغره بالمكر والقوة وهناك أقوال كثيرة بشأنه بأنه مثلا وقت الفياضانات كان نائمًا وهناك من يقول أنه قدم الكثير وقتها وأنقذ فتاة ودوابًا وأشياء أخرى، يقولون أن لا أحد يريد أن يراه، ويقولون أنه صالح ويقدم الخير لكن يذهب بسوء فعله أحيانا!

 

إذن هناك طموح مغمور هناك شخصية تنضج وتكبر ولا أحد يلاحظها لا يرون فيها إلا ما يريدونه، هناك شخصية بحاجة إلى صقل لكنها تظل تعبث بتناقضاتها لتجتمع بها صفات المكر والقيادة والخير أيضا، شخصية مركبة مؤثرة.

لا يهمل الجهاز الإعلامي في الثورة وها هو يؤثر بأهالي ود حامد، أولاد بكري لم يتركوا مجلسًا إلا ذموا محجوب وشلته وفتحوا عيون الناس عليه، وبدأت أصوات ترفض محجوب بعدما كانت تقبله.

قرية ود حامد هي نموذج لنظام ودولة قائمة بكل شخوصها المختلفين، يحصرنا داخل هذه القرية التي تمثل عالما نعيشه. جاء دور الخطابات لحل الصراع وإقالة محجوب. الجميع كان بصف أولاد بكري الشباب، إنه صوت مختلف ووجه آخر إنها تجربة تستحق، هذا ليس غريبًا ولا شاذًا، هذا نعيشه ولكن المرارة أن ينقسم شخص من شلة محجوب ليكون خطابه مثيرًا للسخرية والهزل، إنه”سعيد عشا البايتات” وهذا سعيد قد وضح لنا شخصيته المستغلة من خلال قصته مع الناظر وطريقة زواجه من ابنته المطلقة غير الجميلة! وبالفعل يمثل الشخصية المستغلة المنافقة التي تقتنص الفرص لتبرز وتظهر، وهو يعرف أن محجوب خدم البلد ويذكر ذلك في خطابه لكنه يضمنه أيضًا اتهامات ضد محجوب!

هؤلاء يعرفون طريق السيادة ويصلون لها! محجوب حضر ردًا طويلا على أولاد البكري في الاجتماع لكنه سكت ولم ينطق بشيء. نعرف بعدها أن لصمته معنى وهو عندما رأى وسمع الخطابات عرف أنها مهزلة ولم يعنِ له الأمر كثيرًا. هل هو كبرياء أم هي نظرة ثاقبة لما آلت إليه الأمور؟ الآن نحن أمام فريقين هل سننحاز للقديم أم الجديد؟ كل له سلبياته وإيجابياته، أساس الصراعات هي الفروقات بين التجديد والقديم الماضي ومدى ملائمته للحاضر، لكن هل هناك وسط في أحكامنا؟

 

ينتصر الطريفي ابن البكري ويا للغرابة الجمعية التعاونية بكل مناصبها يستلمها أولاد البكري كأنها ملك عائلتهم يقتسمونها كغنائم ويتركون منصبين لأتباعهم، عندما قرأت ذلك ثرت من الضحك هذا هو حال الثورات! ثم يأتي الفصل الذي يتحدث عن الحلم الغريب الذي يتردد فيه أسطورة بندرشاه وحفيده مريود تلك القصة التي مزجها بين الخيال والواقع وعليك أيها القارئ أن تبحث عن الحقيقة مثل محيميد.

الجزء الثاني من الرواية:

الرواية أيضا تتحدث عن أسطورة بندرشاه الذي يتميز ببشرته السوداء وعيونه الخضر وهذا يرجع إلى أصله الذي نفهمه في آخر الرواية. ما أثار تفكيري في هذا الفصل هو لماذا يتعمد الطيب صالح تضمين روايته هذه، ورواية “موسم الهجرة إلى الشمال” أيضا، بفكرة الغريب الذي يحضر إلى القرية وينهضها ويطورها ويحضر الجديد والغريب إليها، كأنه منقذها وسرعان ما يذهب بنفس طريقة بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال. أظنه يقصد أننا بحاجة للتغير والانفتاح والتطوير هذا يأتي من خلال تواصلنا عن كل ما هو غريب عنا، نحن بحاجة لتواصل مع الحضارات الأخرى ويذهب الأشخاص وتستمر الحياة مع إرثهم في فكرهم وعملهم.

 

معروف أن الطيب صالح كان مغتربًا عن وطنه وكأن هذه الفكرة هي مبرر وحجة لاغترابه، قد يكون ذلك! التغيير الذي أحضره ضو البيت هو تغيير محمود وللأفضل وليس للأسوأ، شخصية “ضو البيت” غريبة عن السودان لكنه عندما حضر انسلخ عن أصله وتكوّن منهم وأخذ عنهم وناسبهم عندما لقي منهم القبول والمساعدة، هل يقصد أن التغيير والتطوير يأتي من خلال قلب الوطن؟ ضو البيت اسم شخصية مناسبة جدا وملهمة.

 

الجميل في الرواية أن الطيب صالح يجعلنا سودانيين نحن نحكي مثلهم من خلال الحوارات، اللغة هي ما تقرب الإنسان لأي بيئة، هي أساس القرب ومن ثم تأتي العادات والتقاليد والحياة بكل جوانبها، واللغة قربتنا من السودان ومن أهله خاصة أهل ود حامد. الطيب صالح ينقلنا بين الحكايات بسرد ممتع وحبكة قصصية تجري بشكل سلس وجميل.

ملاحظة: أولاد البكري لم يلتفتوا للجمعية التعاونية إلا بعد صراع مع محجوب على قطعة أرض وبعد المحاكم كانت من حق محجوب، يبدو أن المصلحة هي التي حركتهم للانتقام السياسي من محجوب وشخصية الطريفي ابن البكري مناسبة فعرف عنه النقد اللاذع والجرأة والقوة.
يجب أن نؤمن بفكر الثورة حتى نستطيع أن نحققها

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آدب, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد