تواجه بيئة عمل المصارف مجموعة ظواهر وجرائم خطيرة، تتسبب في إعاقة سيرها بصورة طبيعية، وتعدّ ظاهرة الاحتيال المصرفي واحدة من تلك الجرائم التي تضر بعمل المصارف والمؤسسات المالية، وأدّى ذلك إلى حصولها على اهتمام عالمي كبير؛ بسبب انتشارها في جميع المجتمعات، وشمولها عددًا من الممارسات ذات الطبيعة الفاسدة، كالخداع والتزوير لإخفاء تفاصيل مهمة باستخدام وسائل غير قانونية، وتؤدي إلى زعزعة ثقة العملاء والمستثمرين في صحة ومصداقية المعاملات المالية المصرفية.

يعتبر الاحتيال المصرفي سلوكًا غير قانوني صادر عن شخص أو أكثر؛ من خلال ارتكاب المخالفات المناقضة للتشريعات والقوانين سعيًا لكسب المال غير المشروع، ولم يتفق الباحثون الماليون على تعريف واحد لجريمة الاحتيال المصرفي، ولكن يعرف عمومًا بأنه أي فعل احتيالي يرتكبه الجاني شخصيًا أو بواسطة شخص غيره في بيئة العمل المصرفي باستخدام أدوات الخداع والغش؛ بهدف سرقة الأموال لاستخدامها في تحقيق غايات شخصية، وتلحق الضرر بالأشخاص والمصارف على حدّ سواء.

أنواع الاحتيال المصرفي

يصنف الاحتيال المصرفي غالبًا إلى نوعين رئيسين، وهما:

1. الاحتيال المصرفي التقليدي: هو الذي يستخدم فيه المحتال وسائل تقليدية لتنفيذ جريمة الاحتيال، ومن أمثلتها:

‌أ. الاحتيال أثناء فتح الحساب المصرفي الشخصي: وهو استخدام المحتال لوثيقة تعريف شخصية مزورة أثناء فتح حسابه المصرفي، حتّى يسهل عليه تمرير العمليات المالية المشبوهة دون الكشف عن هويته، وهكذا يصعب التعرف عليه عند اكتشاف وقوع الجريمة.

‌ب. الاحتيال أثناء فتح حساب مصرفي لشركة قيد التأسيس: وهو فتح المحتال حسابًا مصرفيًا لشركة وهمية تحت الإنشاء، ثم يقنع الناس بقانونية عمل الشركة قبل إشهارها، فيودعون أموالهم في حسابها المصرفي بناء على اتفاق مسبق مع المحتال الذي يستخدم هوية غير حقيقية للتعامل معهم، ويستطيع في أي وقت سحب المال المودع في حساب الشركة المصرفي.

‌ج. الاحتيال بواسطة الشيكات: هو من أكثر الوسائل استخدامًا لتنفيذ الاحتيال المصرفي؛ بسبب انتشار المعاملات المالية المعتمدة على الشيكات، ومن أمثلته: سحب المحتال كامل رصيده المالي من حسابه المصرفي بعد حصوله على دفتر شيكات سليم ومؤشر من المصرف، ثم يبرم صفقات مع أشخاص باستخدام شيكات دون رصيد، بهدف الاحتيال عليهم.

2. الاحتيال المصرفي الحديث: هو استخدام أجهزة الحاسوب والإنترنت لتنفيذ جريمة الاحتيال؛ عن طريق إضافة أو إزالة أو تبديل أو إخفاء معلومات أساسية، لسرقة الأموال من الحسابات المصرفية، ويستخدم هذا النوع من الاحتيال عددًا من الوسائل، مثل:

‌أ. الاحتيال بالتحويل المالي الإلكتروني: هو استغلال المحتال لجهاز الحاسوب المتصل بشبكة الإنترنت للاحتيال على النّاس، وظهرت هذه الوسيلة في الاحتيال بعد انتشار الحسابات المصرفية الإلكترونية، فأصبح بإمكان المحتال سرقة مبالغ مالية من حسابات عملاء المصارف، بعد الاحتيال عليهم والحصول على كلمات المرور الخاصة بحساباتهم الإلكترونية.

‌ب. الاحتيال بواسطة بطاقات الصراف الآلي: من خلال استعانة المحتال بها لقدرتها على توفير بيئة آمنة له، وتحميه من اكتشاف جريمته بشكل فوري؛ خصوصًا إذا كانت جريمة غسل أموال، فيصبح من السهل إيداع مبالغ مالية ملوثة في المصرف بواسطة أجهزة الصراف التي تقبل عمليات الإيداع، وسحبها لاحقًا بعد إتمام عملية غسلها وتحويلها إلى أموال شرعية وقانونية.

تقييم خطورة الاحتيال المصرفي

يعدّ الاحتيال المصرفي نوعًا من المخاطر التشغيلية التي تلحق الخطورة في البيئة المصرفية، فيترتب على جميع المصارف الإحاطة بكافة المعلومات حول هذه الجريمة بهدف علاجها، وتستخدم في ذلك عملية يطلق عليها اسم تقييم خطورة الاحتيال المصرفي، وتطبق وفقًا للخطوات الآتية:

1. تقييم القطاعات المصرفية بصورة فردية لدراسة مدى تأثّر كلّ منها بالاحتيال المصرفي.

2. تحديد العوامل المؤدية لوقوع الأخطاء التي تسهل ارتكاب الاحتيال المصرفي.

3. دراسة طبيعة الآثار الناتجة عن احتمالية تعرض المصرف أو أحد عملائه لجريمة الاحتيال.

4. وضع استراتيجيات مقترحة تساعد على التخلص من مخاطر الاحتيال المصرفي.

5. توزيع مسؤوليات تنفيذ الاستراتيجيات على كلّ قسم أو لجنة في المصرف.

6. تحليل النتائج التي تم الوصول إليها بعد تنفيذ الاستراتيجيات لتقييم خطورة الاحتيال المصرفي.

أركان جريمة الاحتيال المصرفي

لا تكتمل أي جريمة إلا إذا توافرت لها أركان متكاملة مع بعضها بعضًا، وغالبًا تقوم الجرائم على أكثر من ركن ليكتمل شكلها ومضمونها، وتعتمد جريمة الاحتيال المصرفي على ركنين أساسين، وهما:

1. الركن المادي: يتكون هذا الركن من ثلاثة عناصر، هي:

‌أ. السلوك الاحتيالي: هو استخدام المحتال لأحد الوسائل التي تساعده على خداع المجني عليه حتّى يتمكّن من تحقيق جريمة الاحتيال، والحصول على معلومات حسابه المصرفي أو الاستحواذ على ماله.

‌ب. العلاقة بين السلوك الاحتيالي ونتيجته: هي الرابط الذي يربط بين المحتال والمجني عليه، مثل: إنشاء شركة وهمية والبحث عن مساهمين بها أو الإعلان عن استثمار مالي مخادع؛ كالتسويق لأوراق مالية، مثل: سندات مزورة، وبموجب هذه العلاقة يحتال المحتال على المجني عليه.

‌ج. نتيجة جريمة الاحتيال: هي العنصر الأخير من عناصر الركن المادي، والتي تتم بعد أن يتسلم المحتال للمال من المجني عليه.

2. الركن المعنوي: هو الركن المتمثل بتوافر القصد الكامل عند المحتال لارتكاب جريمة الاحتيال المصرفي؛ حيث يبدأ بالتخطيط للاستيلاء على أموال الناس، باستخدام معلوماتهم المصرفية أو التحويلات المالية عبر الحسابات، ومن هنا يتحقق المعنى من جريمة الاحتيال؛ عن طريق توظيف أساليب احتيالية للإيقاع بالمجني عليه وسرقة ماله.

يتبع الجزء الثاني… دور أمن المعلومات في الحماية من الاحتيال المصرفي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد