لماذا تغزو القروض الجارية والقروض الشخصية السوق المالي في لبنان؟ وهل لا يزال البلد والموظفون يتحملون المزيد من المديونية؟ لماذا تصر المصارف على توجيه المدخرات إلى ديون غير منتجة؟

أين تذهب قروض التجار والقروض الشخصية والقروض الاستهلاكية وقروض السيارات وحتى إقراض الدولة؟ لا شيء سوى زيادة عجز الميزان التجاري. مزيد من القروض، مزيد من الاستهلاك، مزيد من الاستيراد، مزيد من عجز ميزان المدفوعات، مزيد من الضغط على احتياطي العملات الأجنبية في لبنان، مزيد من الحاجة لهذه العملات، مزيد من الهندسات المالية، مزيد من ارتفاع الفوائد، مزيد من تعطل قدرة المؤسسات المنتجة على الإنتاج وتحمل هذا المستوى من الفوائد وخلاصته مزيد من الاستيراد والعودة إلى الحلقة ذاتها.

هذا هو الموديل الاقتصادي للقروض الجارية والاستهلاكية في لبنان. وهذا الموديل كان يعمل لأن حجم الأموال التي كانت تدخل البلاد كانت قادرة دائمًا على تغطية نظام الإقراض الريعي.

لكن هذا الامتياز قد بدأ بالاضمحلال في السنوات الأخيرة في ظل زيادة الضغط على ميزان المدفوعات وزيادة عجز الموازنة والدين العام والظروف المحيطة التي أدت إلى جذر التحويلات من الخارج.

إن كل من حللوا الأزمة الاقتصادية العالمية قد ركزوا على أن سببًا من الأسباب الأربعة الأساسية للأزمة كان سطحية نظرة المصارف الأمريكية للأزمة وضيق أفقها وسعيها لتعظيم الأرباح Profit Maximization بأي ثمن، وتعظيم علاوات المديرين المرتبطة لتعظيم الأرباح، ودون التبصر في انعكاسات سعيها المجنون للربح على مستقبل أمريكا ومستقبل القطاع المصرفي نفسه.

وتلك المصارف كانت في ذلك الوقت حائزة على أعلى تصنيفات مؤسسات التصنيف الدولية. لم ينتبه أحد أن البلاء في طريقه إلى العالم وإلى تلك المصارف ضمنًا. حصل ذلك رغم أن المصارف الأمريكية قد أقرضت قطاعًا حقيقيًا هو القطاع العقاري وأخذت ضماناتها فيما بعد لإقراض الاستهلاك من تلك الأصول العقارية الحقيقية. ولكن حين يسود الجشع يتعطل العقل، الحقيقة المرة التي تتعامل عنها.

لماذا تهرب المصارف إلى القروض الشخصية؟ لأنها الأقل مخاطرة، وتقتطع من الأجر مباشرة. ولماذا تفضل  إقراض الدولة؟ لأنها نظريًا صفر مخاطرة.

تدين المصارف الدولة لمصاريف جارية غير استثمارية، وتدين المستهلكين. فماذا علينا أن ننتظر؟ صحيح أن دور المصارف هو تأمين تمويل الاقتصاد، ولكن الاقتصاد بمعناه الواسع الذي يوازن بين قطاعات الاقتصاد وبين الإنتاج والاستهلاك، وبين قصير الأجل وطويله.

لم تقدم المصارف اللبنانية شيئًا للقطاعات غير الريعية إلا بتدخل المصرف المركزي لدعم الفوائد، وذلك يصح على الصناعة والسياحة والمشاريع الريادية وحتى الإسكان.

لقد فتح النموذج الاقتصادي في لبنان بعد الحرب الباب واسعًا للمصارف لتمويل عجز الموازنة وورشة الإعمار. كان المصرف المركزي حريصًا على تعزيز سيولة المصارف ورفع شأنها لتوفي متطلبات بازل المتعاقبة. لكن المصارف لم تعط هذا الاقتصاد ما أعطاها. مصارف مخملية في اقتصاد يعاني.

ليست المصارف اللبنانية أدهى من عباقرة المصارفة في الولايات المتحدة والعالم الأول. ولا هم يتمتعون بكفاءات مراكز الدراسات التي تتمتع بها تلك المصارف، ولا ديونها متنوعة وموزعة بين القطاعات الاقتصادية كما في الغرب، ولا هي تنافسية كما بنوك الغرب. ورغم ذلك وقعت تلك البنوك وأوقعت العالم معها.

المصارف اللبنانية قوية لأن مصرف لبنان قوي ويعتمد سياسة حكيمة في مراقبة المخاطر الاستثمارية. لكن مصرف لبنان ليس ساحرًا ولا إلها، فلا تكونوا أنتم الأبالسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد