البراء أشرف جابر رزق، أو كما يعرفه الناس “براء أشرف”، صحفي توفي بجلطة في الرئة في يوم من الأيام القليلة الماضية، ورغم صغر سنه فقد أتم عامه الثلاثين قبل وفاته بأسبوعين،

 

لكنه ترك أثرًا كبيرًا في مجتمع الصحافة والشأن العام المصري ودارت أحاديث كثيرة عنه وعن وفاته،

 

حتى أن الصحفي المعروف يسري فودة نعاه على تويتر، هذا كمثال فقط وغيره الكثير. لم أتابع كتابات براء في حياته، في الحقيقة لم أقرأ له إلا مقالة وحيدة كانت مرتبطة بحادثة حرق الكتب في فناء مدرسة في حي الهرم.

 

تلك المقالة هي أول – وآخر – معرفتي ببراء الصحفي، وكانت من مقالات الرأي القليلة التي نشرتها على صفحتي على فيس بوك، ولكنها تركت لذلك الاسم موقعًا في ذاكرتي لم يمحَ من وقتها حتى عرفت خبر وفاته.

 

حفظ ذلك الاسم مكانه في ذاكرتي لعدة أسباب، فقد كانت المقالة رشيقة وممتعة والأهم أني شعرت أنها صادقة، والأهم من ذلك أنها كانت تتحدث عن مدرستي التي عشت فيها طفولتي ونشأتي، وقضيت فيها عشر سنوات من عمري، كما الحال بالنسبة لبراء. ويبقى السبب الأهم من كل تلك الأسباب أن اسم كاتبها يشبه اسم زميلي في المدرسة في مرحلة الطفولة،

 

فقد كان لي زميل في مدرستي يسمى البراء وإن كنت لا أتذكر اسم والده، رغم صعوبة تكرار ذلك الاسم لكني لم أتوقف وقتها كثيرًا حول ارتباط الصحفي براء أشرف بزميل الطفولة البراء، خاصة مع مرور ما يقارب العشرين عامًا عن آخر لقاءاتي به وأصبح من المستحيل التعرف عليه من صورته المنشورة بجانب مقاله.

 

منذ أيام، كان الحديث عن البراء هو الموضوع الرئيسي في شبكات التواصل الاجتماعي، فكان خبر وفاة الصحفي الشاب ونعي أصدقائه ومعارفه وبعض من مقالاته هو جل ما يدور في فلك شبكات التواصل الاجتماعي، ووقتها استيقظت تلك الذكرى الكامنة عن ذلك الصحفي، ومع انتشار صوره المختلفة استطعت التعرف على تشابه في الملامح بين الصحفي براء أشرف وزميل الطفولة البراء، نعم فإن الصحفي براء هو بالفعل زميلي البراء! يا للقدر، إنه هو من عرفته طفلًا وانقطعت بِنَا السبل منذ سنوات طوال،

 

لم نكن أصدقاءً مقربين وقت كنا زملاءً في المدرسة، ولم تطل بِنَا فترة الزمالة غير الكثير من زملاء مدرستي الآخرين الذين انتقلوا معي إلى المدرسة الثانوية أو التقيتهم في فترة الدراسة الجامعية، فانقطعت أخباره عني تمامًا، لم أعد أعرف عنه أي شيء لكني لم أنسه، ظل اسمه محفورًا في ذاكرتي حتى أيقظه ذلك المقال – الذي يتحدث عن مدرستنا – ثم خبر وفاته.

 

تسائلت مستغربًا لماذا ظل اسمه محفوظًا في ذاكرتي كل تلك السنوات رغم طول البعاد واختلاف السبل؟ قد تكون فترة تعارفنا هي السبب، ففترة الطفولة تظل محفورة في وجدان الشخص، لكني لا أتذكر الكثير من زملاء الطفولة الذين باعدت بيننا الطرق، لكن كان البراء مختلفًا، ما زلت أتذكره، قد يكون سبب تميزه هو اسمه الذي لا يتكرر كثيرًا، ربما، لكن كان البراء الطفل مختلفًا ومتميزًا عن أقراننا، لا أذكر أنه كان متميزًا بصورة خاصة في الدراسة، فقد كان تلاميذ مدرستنا من المتفوقين بصفة عامة مقارنة بباقي المدارس،

 

ولذا أعني بالتميز هنا التميز الشديد في تحصيل الدرجات الاستثنائية، لكنه رغم ذلك كان من النجوم اللامعين في فصلنا الذي كان يضم أفضل الطلاب في المدرسة؛ قد يكون ذلك بسبب صوته وطريقته الخطابية التي تجعله دائمًا أحد الاختيارات المفضلة لمدرس اللغة العربية عندما يريد من أحد التلاميذ قراءة نص – خاصة النصوص القرآنية – وهذا الذي أهّله بعد ذلك للمشاركة في تقديم الإذاعة المدرسية في معظم سنوات الدراسة، ربما بسبب شقاوته وقتها عندما كنّا أطفالًا، فقد كان كثيرًا ما يقوم بشقاوات طفولية وكان دائم الجلوس في المقاعد الخلفية المشهور بها التلاميذ المشاكسون،

 

ويبدو أن ذلك استمر معه ليتحول إلى مشاغبات سياسية، ربما كان بسبب تمرده الدائم، فقد كان دومًا كثير الاعتراض وعالي الصوت مما يجعله دائمًا في محور الاهتمام وفي قلب الأحداث، ربما كان ذلك أيضًا بسبب بوادر مثقف واعٍ بما يحدث حوله، لا أدري تمامًا ما هو السبب الذي يجعلني أتذكر البراء الطفل نجمًا، ولكن من المؤكد أن ذلك لم يأت من فراغ، فإن النجم نجمٌ منذ نشأته. قد تكون بعض الذكريات غير دقيقة بفعل مرور زمن طويل عليها وقد تكون تداخلت بعض التفاصيل ولكن ما سبق كان هو ما تذكرته وحفظته ذاكرتي عندما عاد اسم البراء للظهور مرة أخرى.

 

انتشر بعد وفاة البراء جزء من مقالة كتبها في مدونته في 2008 يتحدث فيها عن توقعه لوفاته صغيرًا وتمنيه أن تكون سنوات عمره القليلة فيها ما يخلد ذكراه.

 

“إن كنت سأموت صغيرًا، كما توقع لي أبي ذات مرة مازحًا، وكما قالها لي أحد أصدقائي في ساعة لوم طويلة “يا أخي أنت هتموت صغير فعلًا، بس ده مش معناه أنك تبقى مستعجل قوي كده”.

 

إن كنت سأفعلها وتصدق توقعاتهم لي فعلًا، فلأفعل في حياتي القصيرة ما يغنيني عن طولها، أكتب القصص القصيرة، وأقابل هؤلاء الذين يفترض بي أن أقابلهم في وقت لاحق، ولأفعل الأشياء التي تليق بمن هم أكبر سنًا، ولأصالح نفسي على نفسي، ولأبصق على كل الوعود المستقبلية، التي منحتها لنفسي، أو التي منحها لي الآخرون، أو التي منحتها لهم، ولأعتذر لله عن كل الأشياء الشريرة التي فعلتها من قبل، والتي ربما أفعلها إن كان في عمري بقية تسمح لي بفعلها”.

 

فهنيئًا لك يا براء، قد تحقق لك ما تمنيته، فقد حققت في سنوات عمرك القليلة ما يملأها، اللهم ارحمه وارحمنا.

خاتمة

لا أعرف لماذا حفظ البراء تلك المساحة في ذاكرتي، لكني أعتقد أن ذلك قد يرجع إلى أن سرًا إلهيًا وراء ذلك، يجعل شخصًا ما ينفذ لقلبك وذاكرتك رغم قصر مدة المعرفة وطول فترة الفراق، ويأتيني شعور بالتقصير لأني لم أعرف أين هو ولم أتابعه في حياته وأنا الذي كنت أعرفه قبل أن يعرفه وائل غنيم ويسري فودة وكل هؤلاء، ولكنني أضعته وفقدت مسيرته، وكم تمنيت أن يقرأ الراحل تلك الكلمات – سواء مني أو من غيري – قبل وفاته، فنحن دائمًا – كبشر – لا ندرك قيمة الأشخاص – والأشياء – إلا بعد أن تذهب عنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد