في وداع هادئ لحياتنا الدنيا رحل عنا المدون المصري طيب الذكر الشاب البراء أشرف رحمات الله عليه، والذي وافته المنية وهو في عقده الثالث.

 

تاركًا خلفه سجلًا صحفيًا وفنيًا راقيًا وآمالًا وأحلامًا كثيرة، كان أهمها العيش الحر والوطن الكريم المُتسع للجميع، والمطالع لكتابات الفقيد وإنتاجه يحصر إبداعه في سنواته العشر الأخيرة لكنها ليست الحقيقة!

 

فإبداع البراء رحمه الله بدأ مع طفولتهP فقد جمعتني به علاقة الصغر الناشئة عن ارتباط أسرتي بأسرته أيديولوجيًا؛ فقد عرفته طفلًا يكبرني بعام فالتقت أهدافنا ورغباتنا في اللعب والإنشاد ورفقة الآباء في مواطن التربية والترحال، وكنت دائمًا أرى فيه منذ صغره لباقة الحديث وجودة التلقي والمثابرة في النقاش وطرح الأسئلة والاستفسارات على من هم أكبر منه سنًا وخبرة، ما يؤهله ليكون طفلًا فشابًا فرجلًا مختلفًا عن أقرانه.

 

فهو الطفل الذي ما إن زرته في بيته إلا وعدت من عنده بالقصص والكتب دون غيره من الأطفال الذين اعتادوا التقليدية في الإهداء والعطاء، وهو الطفل الذي يخبرك بأسماء في عالم الإبداع والفن والصحافة والسياسة سمع عنها الكثير منا في مرحلة كان البراء قد عرف هذه الأسماء بشكل شخصي وكأنه ما ارتضى لنفسه إلا أن يزاحم تلك القامات العلمية والفكرية في الكتابة والتدوين .

 

ومرت الأيام، وفرق بيننا وبينه إقامته غير الدائمة ببلدتنا الجميلة كرداسة، والتحاقه بمدرسة إعدادية كائنة خارج محيطنا الجغرافي، إلى أن التقيته في بدايات المرحلة الثانوية فقد عاد يدرس الثانوية في مدرسة البلدة. وجدته وقد اشتد عوده وتغيرت ملامحه وقسمات وجهه وطريقة كلامه لكن الشيء الوحيد الذي احتفظ به من طفولته ورفض أن يتركه لتقلبات الدهر ومنغصاته هو قلبه الطيب الذي لازمه حتى فارق الدنيا.

 

واللافت للنظر في التعاطي مع هذا الشخص الصغير الكبير هو أن مركزية تفكيره كانت قائمه على التغريد خارج السرب والصندوق التقليدي منذ الصغر؛ فاللوحة المدرسية الشهرية مثلًا قد تغيرت للأفضل بإعداده وتصميمه، والخطاب الموجه للطلاب بات يأخذ شكلًا مختلفًا تحت إشرافه، الشكل الذي يجمع ولا يفرق يحبب ولا ينفر، وكان اتصاله بالعديد من دور النشر وزياراته المستمرة لقاعاتها يثري الطلاب بمطوياته وكتيباته الصغيرة التي كانت تتبنى أفكارًا جديدة في طريق بناء الشخصية والارتقاء بالذات والتعاطي مع القضايا الهامة وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي كانت محور اهتمامه خلال تلك المرحلة .

 

ربما يستغرب البعض من صغر سن البراء وكبر عقله وضخامة أرشيفه الصحفي وإنتاجه الفني الراقي، لكن الحقيقة أن البراء لمن لا يعرفه كان مرسومًا له أكبر من ذلك أيضًا لطموحاته الكبيرة منذ الصغر بأن يكون كاتبًا وروائيًا كبيرًا.

 

وقد تجلى هذا الطموح في التحاقه بكلية الآداب قسم الصحافة والإعلام جامعة قنا بجنوب مصر مؤثرًا الغربة والبعد عن الأهل والأحبة وهو ابن الثامنة عشرة من أجل حلمه المبكر، مُصرًا على استكمال مسيرة جده الصحفية والتي كانت مصدر اعتزاز عميق له.

 

فجده الصحفي الرائد جابر رزق رحمه الله صاحب التاريخ الصحفي الكبير، الذي ترأس وأدار تحرير العديد من الصحف والمجلات كان من بينها مجلة الدعوة بإسناد من المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حينها الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، ومجلة لواء الإسلام وغيرها من الصحف التي حوت بين صفحاتها كتابات مميزة للراحل جابر رزق كمجلة الاعتصام وصحيفة الشعب ومجلة الإصلاح الإماراتية والأمة القطرية والمجتمع الكويتية، ومن هنا كانت بدايات البراء في تكوين الطموح والسعي للالتقاء بجده في عالم الصحافة والتدوين .

 

لا ينكر أحد أن المكتبة الصحفية والتاريخية لازالت تحتفظ بالكثير من أرشيف الجد الكبير رحمه الله والذي ودع الدنيا عند الثالثة والخمسين، لكنها ستضع إلى جوار أرشيف الجد أرشيف الحفيد اليافع النافع من مقالات وتحليلات وقراءات عميقة في مختلف المجالات حملت أختام البراء أشرف رحمه الله.

 

وسيشهد عالم الوثائقيات للراحل بالطفرة التي أحدثها فيه والبصمة التي وضعها عليه من خلال إنتاجه المتميز والذي بدأ في فيلم وثائقي من إنتاجه شاهده عموم المصريين بعد ثورة يناير تحت عنوان “صناعة الكذب”؛ ذاك الوثائقي الذي جسد حالة التلون الإعلامي في التعاطي مع الثورة والثوار، وتحفته الرائعة “مجاهدون افتراضيون” الذي ناقش مواقع تنظيم القاعدة على الشبكة العنكبوتية.

 

فلتسجل المكتبة الصحفية والإعلامية أرشيف البراء صاحب السن الصغير والطموحات الكبيرة التي حال بينه وبينها القدر المحتوم على الجميع، رحل البراء أشرف وترك وراءه تاريخًا كبيرًا وإنتاجًا هائلًا أبدع فيه طفلًا وشابًا، رحل البراء تاركًا خلفه جيلًا من الشباب يؤلمه ما ألم البراء ويطمح فيما طمح فيه البراء من عيش حر ووطن كريم، وطن يبحث شبابه عنه بعد أن ضيعه العجزة والكهول الذين أوقفوا الطاقات وحطموا الطموحات وسجنوا الأقلام الحرة والألسنة الطاهرة .

 

رحم الله البراء أشرف صاحب الكلمة والقلم والفن والإبداع مُبدع الطفولة والشباب، وأسكنه الفردوس الأعلى، وبارك في صغيرتيه الجميلتين كرمة ومليكة  .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد